ملاحظة تمهيدية من هيئة تحرير وجهات نظر
هذه دراسة مهمة تستعرض ملامح علاقة إيران بالحركات الارهابية في الوطن العربي وأفغانستان، لكن ما ينقصها فعلا هو علاقة إيران بالارهاب في العراق، الذي ابتدأ نظام خميني معه أول الممارسات الارهابية فور تسلمه السلطة عام 1979.
حيث لا يذكر الباحث، جهلاً أو عمداً، ما يجري في العراق إلا بعبارات بسيطة في ثلاثة أسطر، فيما هو المجال الأوضح للدور الايراني في دعم الارهاب، بكل صنوفه.
علاقة إيران بالتنظيمات الإرهابية، دراسة في سيكولوجية العنف الإيرانية منذ قيام الثورة وحتى الآن
محمد السيد الصياد
يدرك المتابعَ لسياسة إيران في المنطقة منذ قيام ثورتها وحتى الآن، أنها لم تمانع يوماً ما من دعم المتطرفين والمتشددين سياسيا ودينيا، في المنطقة والعالم، ربما لخدمة مصالحها، ومصالح حلفائها، السياسية تارة، ولخدمة مصالحها الطائفية تارة أخرى. لقد ظهرت سوأة الإيرانيين خاصة بعد الحرب السورية، وانتزاع ورقة التوت عن السياسة الإيرانية التي كانت دائما تتشدق بأنّ الأخلاق عمادها، وتتزعم نصرة المستضعفين، ودعم الحركات الثائرة والتحررية في العالم، فإذا بها تقمع تلك الحركات بجيشها وحرسها الثوري، وتفتك المستضعفين بالبراميل المتفجرة، وتقتل اليوم من دعمتهم بالأمس فقط لأنهم اعترضوا سياستها فصاروا إرهابيين. لقد تعاونت إيران مع الجماعة الإسلامية في مصر –نواة تنظيم القاعدة-، ومع تنظيم القاعدة وطالبان في أفغانستان، ومع الإخوان المسلمين وحماس، ثم تنقلب على كلّ هؤلاء بعد الحرب السورية وصنفتهم كإرهابيين، عندما تعارضت المصالح. ومع أنّ العالم كلّه صنّف تنظيم القاعدة تنظيما إرهابيا ومع ذلك قامت إيران بإيواء عدد من قياداته بعضهم مطلوب لدى سلطات المملكة العربية السعودية ودول الخليج، وبعضهم مطلوب لدى السلطات الأميركية. إذن فمن الذي دعم الإرهاب من أول يوم؟!
لقد استفادت إيران من الجماعات الإسلامية أكثر من استفادة تلك الجماعات من إيران، فقد اعتبرتها إيران ورقة ضغط إقليمية ودولية، ولعبت بوجودها على الأراضي الإيرانية، في حين أنّ تلك الجماعات لم تستفد شيئا يُذكر من إيران سوى شراء السلاح الإيراني، وتثبيت المزاعم الإيرانية والترويج الإعلامي الإيراني حول العالم أن الإرهابيين من السنّة فقط!. ومصطلح الإرهاب في السياسة الإيرانية فضفاض ولا يوجد تعريف منضبط له، فالإرهابي ليس هو الذي يمارس العنف ويرهب المدنيين والعزل، بل هو في نظر السياسة الإيرانية “كل من يحيد عن السياسة الإيرانية فهو إرهابي أو عميل للصهيو-أميركي”، حتى ولو كان مدعوما من إيران نفسها بالأمس القريب!. وفي هذه الدراسة نحاول أن نقف عند معالم العلاقة بين إيران -على اختلاف إداراتها -والجماعات المتشددة، وكيف استفادت منهم الدولة الإيرانية في مشروعها الامبريالي في المنطقة، وكيف تقوم بتوظيف الدين والمذهب والطائفة في خدمة مشروعها التوسعي.
أولا: الإقصاء والعنف في أدبيات خميني
هناك أدبيات عنف، وخطاب متشنج وإقصاء تام لكافة الآراء المخالفة، عند خميني. فالرجل جعل نفسه الدولة والدولة هو، ثم تمادى حتى جعل نفسه الطائفة “الشيعة”، والطائفة هو، بل تحدث باسم الإسلام واعتبر نفسه ممثلا للدين، ومن خالفه فقد خالف الدين!. وأعطى لنفسه صلاحيات تفوق صلاحيات القادة أو الزعماء والرؤساء، بل قد فاقت صلاحيات الأنبياء. فالرجل أعطى لنفسه الحقّ في إلغاء الصلاة والصيام والزكاة إذا اقتضت الحاجة: “فحكومة الإسلام هي الركن الأول في الإسلام، ولها الأولوية على الأركان الثانوية، مثل الصلاة، والصيام والحج. ولحماية الإسلام: يمكن أن تُعَلَّق أيا من أو كل الأركان الثانوية”[1] [1]!. وبعباردة السيد محمد الشيرازي (1338 هجري- 1920م): “فإنّ الله قد فوّض للأئمة الولاية التشريعية والتكوينية، فزمام العالم بأيديهم، لهم التصرف فيه إيجاداً وإعداما”. وبعبارة خميني نفسه (1320- 1409 هجري/ 1902- 1989م): فإنّ من أدعية الشيعة لأئمتهم: “إنّ حساب الخلق عليكم، وإيهابهم إليكم”!، “وإنّ للإمام ولاية كلية تجعله قائما على كل نفس بما كسبت، ومتسلطا على الضمائر والقلوب، وإنّ مادة عالم الإمكان مسخرة بيد الإمام يقلبها كيف يشاء، وإنّ من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبيّ مرسل، ولقد كانوا قبل هذا العالم أنوارا محدقين بعرش الله”[2]. هكذا بلغ خميني في الغلو الكهنوتي الدرجات التي لم تبلغها الكهانة الكنسية في العصور الأوربية المظلمة[3]. وهذا التقديس الذي أحاط به نفسه، والعصمة التي ألبسها لنفسه جعلته رجل الإقصاء الأول، ليس للسنة والمخالفين فقط، بل للشيعة أنفسهم كما حصل مع نائبه الشيخ منتظري الذي حوصر وأُقيم جبريا في منزله. والرجل لا يرى مانعاً دينيا أو أخلاقيا أو حتى إنسانياً للوقيعة بالمخالف السنّي، وإهلاكه، فيقول: (لا شبهة في عدم احترامهم –أهل السنة-، بل من ضروري المذهب كما قال المحققون. بل الناظر في الأخبار الكثيرة في الأبواب المتفرقة لا يرتاب في جواز هتكهم والوقيعة فيهم، بل الأئمة المعصومون أكثروا في الطعن واللعن عليهم وذكر مساوئهم)[4]. ومن هذه العبارة الصريحة ومثيلاتها يمكننا معرفة فلسفة إيران السياسية في موقفها من دول العالم السني وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، فهي تريد الوقيعة وإهلاك العالم السني بعبارة خميني[5]، والتنظيمات الإرهابية لا شك من تلك الأدوات الهدامة التي تستعملها إيران في المنطقة. وأمرٌ أخير كي لا نتوسع في هذا الجانب: أنّ الفقه الشيعي مليء بالأحكام المتشددة والإقصائية، التي قيلت في سياق بيئتها، فإذا بخميني ورجاله يُطبقونها في دولتهم منزوعة الصلة بمقاصدها وخلفياتها وأبعادها. وهذا الجانب ربما يتجلى بوضوح في كلامنا عن التطبيق السياسي العملي لدولة خميني الفارسية!.
ثانيا: علاقة إيران بالجماعة الإسلامية في مصر
الجماعة الإسلامية في مصر هي جماعة متطرفة خرجت على الدولة والمجتمع، وقتلت عشرات الآلاف من المصريين، وأنهكت الدولة المصرية في السبعينات والثمانينات وبداية التسعينات من القرن العشرين. وهي التي قتلت الرئيس الراحل أنور السادات، وهي التي قتلت عشرات الصحافيين، وهي النواة الحقيقية لتنظيم القاعدة فيما بعد. وارتبطت إيران ارتباطاً وثيقا برجال الجماعة الإسلامية، خاصة بعد نجاح ثورة خميني، واستقبال النظام المصري للشاه، فقامت الدولة الفارسية الوليدة بنصب العداء مع الدولة المصرية، ونظامها السياسي وقتئذ، وقامت بدعم المسلحين الذين يخوضون العمليات الإرهابية ضد الدولة المصرية، ثم قامت الجماعة الإسلامية بقتل الرئيس السادات فقامت إيران بتسمية أحد الشوارع الرئيسية في إيران باسم الاسلامبولي المتهم الرئيسي في قتل السادات. ثم قامت باستقبال قادة الجماعة الإسلامية الفارين من الأحكام القضائية في مصر، وعلى رأسهم القيادي مصطفى حمزة الذي ظلّ في طهران حتى بعد سنة 2000م، ثم ذهب إلى لندن. بل ودعا مصطفى حمزة وأخوه -وكلاهما من قيادات الجماعة الإسلامية-الدولة المصرية إلى التقارب مع إيران، وانتقدا قطع العلاقات المصرية الإيرانية[6]. والجماعة الإسلامية هي نواة تنظيم القاعدة كما مرّ، واخترطت بالعمل المسلح في سوريا ضد قوات بشار الأسد، وأرسلت عشرات المقاتلين في صفوف جبهة النصرة وغيرها، ومات زعيم الجماعة الإسلامية “رفاعي طه” في سوريا في أبريل 2016م[7]. والمفارقة هنا أنّ الجماعة الإسلامية بعد أن كانت في نظر إيران هي تنظيم جهادي أثناء قتالها الداخلي ضد قوات الأمن المصرية، صارت تنظيما إرهابيا لأنها تقاتل في سوريا ضد قوات بشار!. فإيران تستغل الجماعات المتطرفة في خدمة مصالحها وأهدافها في العالم العربي والإسلامي، ثم تستفيد من وراء ذلك تشويه الإسلام السنّي وإلصاق التهم به.
ثالثا: علاقة إيران بتنظيم القاعدة
معظم قيادات الجماعة الإسلامية الهاربة من مصر ذهبوا إلى أفغانستان في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، وشكلوا مع آخرين، تنظيم القاعدة أثناء الحرب السوفيتية، وهؤلاء القادة ارتبطوا بشكل أو بآخر مع النظام الإيراني كما مرّ. ثم لما حصل الغزو الأميركي لأفغانستان انتقلت قيادات كثيرة (قُدّرت ب 500 من أعضاء التنظيم وعائلاتهم) من أفغانستان إلى إيران، مما يؤكد تلك الصلة الوثيقة بين الجانبين، والتعاون الاستراتيجي بينهما، مع وجود التباين الأيدلوجي وبقائه[8].
ومن هؤلاء القيادات:
سيف العدل، محمد صلاح زيدان، سافر مع أسامة بن لادن إلى السودان، وتولى القيادة العسكرية للتنظيم بعد مقتل أبو حفص المصري.
سعد بن لادن، الابن الثالث لزعيم تنظيم القاعدة. وتواجد مع 24 شخصا من أفراد عائلته في إيران.
أبو حفص الموريتاني، أول مسئول شرعي لتنظيم القاعدة.
أبو الوليد المصري، ولا زال محتجزاً في إيران حتى الآن.
جعفر الأوزبكي: وهو شخصية كاريزمية وأساسية في التنظيم ولا زال موجودا في إيران ويشرف على شبكة مسئولة عن نقل الأموال والمقاتلين الأجانب عبر تركيا لصالح جبهة النصرة.
ياسين السوري، وهو محتجز أيضا في إيران، وله دور كبير في نقل أصحاب الخبرات القتالية من باكستان إلى سوريا.
صالح عبدالله القرعاوي، مؤسس كتائب عبدالله عزام فرع التنظيم في بلاد الشام، وتزوج من ابنة محمد الحكايمة أثناء وجودهما في إيران، وهو من أخطر المطلوبين على قائمة ال 85 السعودية[9].
ويبدو أن السياسة الإيرانية هنا تقوم على لُعبة استغلال تلك الجماعات في الضغط على خصومها السياسيين إقليميا ودوليا، فالقائمة شملت مطلوبين لدى المملكة العربية السعودية مثل: صالح القرعاوي. ومطلوبين لدى الولايات المتحدة الأميركية ودول أوربية. ولكن يبدو أن إيران فضلت الاحتفاظ بهؤلاء القادة كجزء من استراتيجيتها في المنطقة. وقد أثبتت الوثائق الأميركية وجود تلك العلاقة– المعروفة أصلا- بين إيران وتنظيم القاعدة[10].
ويمكن حصر استفادة إيران من وجود مثل تلك القيادات في الآتي:
دعمهم وإقامة التحالفات معهم حال وقوع أي خطر أميركي على الحدود الإيرانية في العراق أو أفغانستان وهو ما حصل بالفعل.
دعم تلك الجماعات الإرهابية ضد المملكة العربية السعودية، لإنهاك المملكة العربية السعودية في قضايا داخلية، وصراعات أيدلوجية.
تشويه صورة الإسلام السنّي، في مقابل المشروع الفارسي الإيراني الذي يصدّر خطاب الاستضعاف والمظلومية.والمفارقة هنا أيضا: أنّ هؤلاء جميعا الآن -في نظر إيران-إرهابيون لأنهم يقاتلون قواتها وقوات حليفها بشار الأسد في سوريا. مع أنها كانت تنظر إليهم قبل ذلك نظرة مختلفة. وكأنّ إيران صارت تصف كل من يخالف سياستها بالإرهاب، حتى ولو كانت تدعمه من قبل، وكل من يتعاون معها بالممانع أو المجاهد حتى ولو كان يرتكب جرائم حقيقية على الأرض[11].





