#الشرق_الأوسط في طريقه إلى التغيير!

محمد الرميحي

تتحكم في العالم اليوم ثلاث قوى دولية هي الولايات المتحدة وروسيا والصين، تلك حقيقة برزت في السنوات الاخيرة، بعد تحول العلاقات الدولية من عالم ثنائي القطبية إبان مرحلة الصراع الايديولوجي السوفيتي الأميركي، الي عالم موحد القطبية لفترة قصيرة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي الذي لعبت فيه أميركا دور (البطولة المتفردة) الي حين، ثم العودة الي عالم ثلاثي القطبية الذي نشهد اليوم.

 

ولأن هذا العالم الثلاثي لا يستطيع وربما لا يرغب في الدخول في صراع مباشر بين اقطابه من جهة، ولا تستطيع قوة واحدة منه أن تسود على القوتين الأخرىين، نجد انفسنا في عالم صراعي جديد غير مسبوق.

في عالم السياسة الدولة، هذه القطبية الثلاثية تتعاون في مكان ان استطاعت، وتتصارع في مكان آخر إن سمحت لها الظروف المحلية بذلك، إلا أن عدم الثقة التي بين هذه القوي جعلها في موقع (ادارة الازمات) لا موقع حلها، اي احتواء الصراعات في مكان جغرافي، وترك اللاعبين المحليين يستنزفون أنفسهم!.

اكثر ما تحتدم فيه الصراعات (المدارة من تلك القوي الثلاثية) هو منطقة الشرق الاوسط، التي تقول لنا الاحصائيات إن أكبر عدد من القتلى وأكبر حجم من التدمير حدث لسكان الشرق الاوسط (معظمهم من العرب) في ربع القرن الاخير.

ليس هناك منطقة تقارب مستوى الخسارة في الأرواح والممتلكات والفرص كما هي خسارة المنطقة العربية مقارنة بالصراعات الحالية في العالم، بعض البسطاء يراهن علي تحول في السياسة الأميركية بعد الانتخابات التي تستعد لها أميركا في الخريف المقبل، تلك مراهنة قريبة الى السذاجة السياسية، كما يراهن البعض على صعود قوة روسيا، تلك أيضا مراهنة غير واقعية، أما الصين فهي التي تملك ورقة الترجيح وغير مستعدة لخسارتها في القريب العاجل لأي من القوتين الأخرىين.

ديناميكيات الصراع في الشرق الاوسط تزداد غموضا، فعلى الرغم من وجود صراع ظاهر او خفي في المكونات اليمنية بشكل تاريخي، إلا أن تدخل ايران ومساعدة الحوثيين عقَّد من ديناميكية الصراع في اليمن، وتحول الصراع من سياسي الى عسكري ساخن، طال أمده ولا يبدو ان هناك مخرجا قريبا له، رغم كل تلك الاجتماعات والمحادثات، حيث ترى ايران أنها فرصة لها للعض على أصابع القوي العربية، خاصة المملكة العربية السعودية ودول الخليج من أجل استحقاق تراه مناسبا لتطوير هيمنتها على الساحة القريبة منها.

في المقابل فإن العراق يخوض اكثر من حرب، اقلها اهمية هي الحرب على داعش التي سوف تستمر وتستنزف الجهد العراقي، ولكن اهمها حرب الاصلاح الداخلي الذي قاد حراكه مقتدى الصدر منذ أشهر، ثم تراجع كما يفعل دائما، بسبب الضغط الايراني عليه وعلى تياره، فأصبح العراق معلقا اليوم تحت حكومة شبه مستقيلة وشبه باقية!

اللافت ان القوي الدولية هنا تتعاون بشكل واضح على إدارة الصراع وحصره جغرافيا، على رأس التعاون في العراق هو التعاون الأميركي/ الايراني الذي فاق التنسيق ليصل الى التطبيق في الميدان، وليس بعيدا عن هذا التنسيق الرضا الروسي، أما في سوريا فإن الوفاق الأميركي/ الروسي واضح المعالم من أجل محاربة ما تعرفه القوتان بـ(الارهاب)، ولكن ذلك التنسيق لا يصل الى التفاهم الكامل لرسم مشهد (اليوم التالي) في سوريا حتى الآن على الاقل، مرة أخرى حصر الصراع في منطقة جغرافية ومحاولة احتوائه لا حله.

في المسألة الفلسطينية فإن الوضع الدولي يتجه الى عدم اليقين في إنشاء دولة للفلسطينيين، كما يرغب الفلسطينيون انفسهم، فالحديث عن الدولتين تراجع الى خلف شعار الحرب على الارهاب، ويبدو أن القوى الثلاث العالمية غير معنية بأجندة فلسطين اليوم.

الشرق الاوسط إذن نتيجة كل تلك التفاعلات يشهد مرونة غير مسبوقة في (إعادة رسم حدود الدول) واستمرار الصراعات الساخنة او الباردة التي تخاض على أكثر من صعيد.

إن نظرنا الى مصالح الدول الثلاث التي تشكل القوى الاكبر في العالم في الشرق الاوسط نجد انها ايضا متغيرة، فلم تعد بشكل عام لا الولايات المتحدة، وبشكل أقل أوروبا، تحتاج الى نفط الشرق الاوسط، امام تنامي ظاهرتين: التقدم في استخدام التقنية الهائل لتعويض مصادر الطاقة، وفي وجود مصادر طاقة بديلة او رخيصة، كما أن روسيا تسارع لملء الفراغ أينما حدث في الشرق الاوسط، حتى غدت قوة احتلال تذكر الشرق اوسطيين بقوات الاحتلال الغربية بعد الحرب العالمية الاولى، أي التدخل من أجل فرض نوع من الحكم على الشعوب بصرف النظر عن رغباتها.

الصين تسعي حثيثا أولا من أجل تأمين جوارها استراتيجيا، ومن ثم توسيع اسواقها اقتصاديا، وهو هم صيني له اولوية على ما عداه من مشكلات في العالم.

المنطقة برمتها تشهد محاولات لإعادة تقسيم الحدود والشعوب قد لا تكون ظاهرة للبعض، إلا أن المراقب يرى الامر وكأنه واقع لا محالة.

ما ينقص المشهد كله هو ديناميكية محلية تستطيع ان تقود مشروعا مضادا لكل ما هو مطروح غربيا او اقليميا، الا ان تلك الديناميكية عصية عن البروز بشكل ثابت ودائم، كانت هناك محاولات باءت بالفشل او قل التقاعس، بسبب ضعف في التصور لمهددات الامن القومي أو ضبابية في الاهداف المرجو تحققها، فترك الامر اليوم الى القوى العالمية الثلاث وتفاهماتها او تقسيمها حسب المصالح للمنطقة العربية او اشراك قوى اقليمية في تحديد مصائرها.

ليس خافيا في ان هذا الوهن الذي أصيبت به الاطراف الفاعلة في المنطقة في جزء منه ضرورة الحاجة لتجديد العقد الاجتماعي الذي درجت عليه تلك الأوطان منذ فترة، فالحاجة الى تغيير له معنى في العقد الاجتماعي الداخلي قد يشيع جوا من التفاعل الايجابي لكل التحديات التي تواجه المنطقة، إلا أن ذلك التغيير في العقد الاجتماعي تقف دونه قوى لها مصالح تضعف في النهاية عوامل المقاومة للمشروع الاممي الاقليمي الذي يسعي الى رسم خارطة جديدة للشرق الاوسط انطلاقا من البلاد العربية.

لعل البعض يبادر بطرح تلك الإشكالات التي تهدد الامن القومي العربي في عقر داره على المجتمعين في موريتانيا الشهر المقبل، حيث تعقد القمة العربية السابعة والثلاثون من القمم الدورية، ربما يقرع جرس الانذار في مناسبة هي سوداوية للمواطن العربي، اي ذكرى 100 عام على معاهدة ساكيس بيكو، ونحن الآن أمام شكل آخر منها بطبعة محسنة ومنقحة في ظل الظروف الحالية المتغيرة.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,356,084

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"