صمتت دول العالم طيلة الفترة الضبابية التي عاشتها تركيا، خلال المحاولة الانقلابية البائسة، وهي ساعات هزّت العالم بالفعل، لأن تركيا دولة إقليمية مهمّة لها دور واضح في السياسة الدولية والمشكلات الإقليمية.
النفاق الدولي تجلى بأوضح صوره، من خلال مجمل ردود الفعل قبل أن تعلن الحكومة التركية إفشال المحاولة الانقلابية الدموية، وهي ردود اتسمت بالتعبير عن القلق والدعوة لعدم سفك الدماء! لكن لا أحد أدان الانقلاب على الديمقراطية والسلطة المنتخبة، سواء بالنسبة لرئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان أو الحكومة المنتخبة، خاصة تلك الدول التي ترفع شعارات الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان !
وعندما بدا واضحاً أن العملية الانقلابية تسير نحو الفشل، وبعد نزول آلاف المواطنين الأتراك إلى الشوارع رفضاً للانقلاب، ودفاعاً عن الديمقراطية والقيادة المنتخبة، صدر بيان عن البيت الأبيض يؤكد دعم واشنطن للحكومة المنتخبة، وبعد ذلك انهالت بيانات الإدانة للانقلاب من مختلف الدول، وتهنئة الرئيس أردوغان بعودة السلطة المنتخبة، وكأن أوباما قرع الجرس للجميع!
وهذا يطرح سؤالاً كبيراً، عن الجهات التي تقف خلف المحاولة الانقلابية، وهل ثمة دعم خارجي لها ؟ وبغض النظر عن اتهامات أردوغان لفتح غولن بتدبير العملية، وهو موقف ينسجم مع اتهامات سابقة لفتح الله بأنه يدير حكومة موازية! لكن كيف يمكن أن يتم التخطيط لعلمية انقلابية، بهذا الحجم يشارك فيها آلاف العسكريين، دون علم أجهزة الاستخبارات الأميركية والغربية عموماً، خاصة أن تركيا عضو مهم في حلف شمال الأطلسي، وتبيّن أن قائد قاعدة أنجيرلك الجوية، التي تستخدمها الطائرات الأميركية والأطلسية كان متورطاً في العملية الانقلابية وتم اعتقاله، وتعليق العمل بالقاعدة وقطع الكهرباء عنها!
ولا يخفى أن أردوغان زعيم مزعج للعديد من الدول الكبرى وفي الدول العربية، بسبب مواقفه الندية والسياسة المستقلة التي تنتهجها تركيا في فترة حكم حزب العدالة والتنمية، وكان لافتاً من ردود فعل بعض القيادات الغربية، خاصة أميركا وفرنسا وألمانيا التي حذرت أردوغان من التعامل مع الانقلابيين بعقلية الانتقام وطالبته باحترام دولة القانون، وكأن الانقلابيين كانوا ينثرون الزهور ! وليس ارتكاب جريمة بحق الدستور والقانون والشعب التركي، بالقيام بمغامرة حمقى تسببت بقتل المئات وجرح الآلاف، وكادوا يدخلون الدولة والشعب في نفق مظلم وربما إشعال حرب أهلية، وما لذلك من انعكاس خطير على الاستقرار والسلم في المنطقة وعلى العلاقات الدولية!
لكن المثير للاستهجان والسخرية، ردود الفعل المتشفيّة في الرئيس أردوغان، التي تحدث بها العديد من المحللين والمعلقين العرب، عبر البرامج الحوارية من خلال الفضائيات العربية، أو المحطات الأجنبية الناطقة باللغة العربية، بالإضافة إلى التعليقات التي حفلت بها مواقع التواصل الاجتماعي، بل إن أحد المثقفين المتحمّسين للانقلاب كتب في صفحته على الفيسبوك جازماً ما معناه: فليذهب أردوغان إلى الجحيم، واعتبر تلك المحاولة الانقلابية من تدبير الرئيس الروسي بوتين، ثأراً لحادثة إسقاط تركيا للطائرة الروسية!
ما الذي يجعل الكثيرين من العرب، خاصة ممن ينتسبون لبقايا اليسار للتصفيق لانقلاب مجموعة من الضباط المغامرين على قيادة منتخبة، حتى قبل أن يتأكد نجاح المحاولة ؟ كانت نظرية المؤامرة التي تعشعش في أذهان البعض حاضرة، فمن عبّروا عن تشفيهم بوضوح هم ممن يتخيلون، أن أردوغان يريد بعث الإمبراطورية العثمانية، لكن الحقيقة هي أن ما يثير حفيظة هؤلاء، أن أردوغان له موقف واضح ضد النظام السوري، وأدان بقوة الانقلاب العسكري في مصر!
المحاولة الانقلابية في تركيا، تمّ قبرها في مهدها بنزول حشود كبيرة من المواطنين، ووقوف وحدات أساسية في الجيش وأجهزة الأمن مع القيادة المنتخبة، وكانت مفارقة لافتة أن أحد المواطنين الأتراك الذي شارك في مسيرة الاحتجاج على الانقلاب، قال حسب تقرير بثته قناة "فرانس 24": نحن لسنا في مصر! في إشارة إلى أنهم لن يسمحوا للانقلابيين بالوصول إلى السلطة كما حصل في مصر!
وهذه الجملة تنقلنا إلى التعمّق في الحدث، والمقارنة بين الحالة التركية والنماذج العربية في الحكم، خاصة بالنسبة إلى نجاح الانقلاب في مصر، وارتكاب سلطة الانقلاب مجازر راح ضحيتها آلاف الأشخاص كما حدث في قصف اعتصام رابعة، فضلاً عن اعتقال وتعذيب وأحكام بالإعدام تقدّر بعشرات الآلاف، والحقيقة أن إفشال الشعب التركي للمحاولة الانقلابية في وقت قياسي، يؤكد أن ثقافة الديمقراطية وحق المواطنة، بدأت تنضج وتترسخ في المجتمع التركي، معززة بإنجازات كبيرة حققها حكم العدالة والتنمية، فيما لا تزال شرائح واسعة في بلادنا العربية، تجيد التصفيق والنفاق للأنظمة البوليسية الفاسدة!
والطريف أن المندوب المصري في مجلس الأمن، رفض الموافقة على مشروع يدين المحاولة الانقلابية على الحكومة المنتخبة، مشككاً بكون الحكومة التركية منتخبة، وهو موقف مثير للضحك، فإذا كانت القيادة التركية غير منتخبة، هل يمكن تصنيف الانقلاب العسكري في مصر بـ"الديمقراطي"!