الإنقلاب العسكري التركي ‏يضع النقاط على الحروف

علي الكاش

يقف الإنسان مشدوهاً أمام السيل الهائل من المقالات حول الإنقلاب العسكري الفاشل في تركيا ‏سيما من قبل الكتاب العراقيين، ويمكن القول بأنهم جاءوا في المرتبة الثانية في الكتابة عن ‏الإنقلاب بعد الكتاب الأتراك أصحاب الأزمة. مع أن معظم الكتابات ليس فيها الحد الأدنى من ‏التعقل والتحليل العلمي والسياسي الذي يضع المشكلة تحت المجهر وينظر اليها من جميع الزوايا ‏ومنها السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والأمنية، علاوة على المؤترات الخارجية سيما ‏العملاقين الامريكي والروسي والإتحاد الاوربي علاوة على دول الجوار.‏

 

‏البعض من المقالات عندما تقرأها، تشعر كأنك تقرأ مقال لراعي غنم عن ثورة المعلومات ‏والالكترونيات، محلل ليس له أي معرفة بالشأن الداخلي التركي والأزمات الداخلية والخارجية ‏التي تعيشها تركيا شأنها شأن بقية العالم، وهي أزمات لا تكاد تقارن بأزمات العراق.

والغريب ‏أن عدد المقالات عن الإنقلاب التركي فاق ما كتب عن التفجير الإرهابي الذي حدث في الكرادة، وسط بغداد، ‏بل ان الإنقلاب التركي طغى على التفجير اللغز، الذي قدم فيه داعش حدمة كبيرة للحكومة ‏العراقية بتحميل نفسه مسؤولية العمل، مع انه التفجير أكبر من داعش نفسه، بكل مؤشراته ‏ومسبباته ونتائجه. كما أن ضعف التحقيقات ورفض طلب لجنه من الأمم المتحدة او الدول ‏الأوربية لكشف اللغز، كما حصل في تفجير بيروت الذي أغتيل فيه الحريري، علاوة على طمر ‏الأدلة بسرعة تنظيف المكان لغاية في قلب يعقوب، قد زادت الطين بله وعقدت اللغز. لكن بدلا من ‏الضغط الشعبي على الحكومة لكشف اللغز المحير إنصرف الكتاب الى الإنقلاب التركي، كأنهم ‏لعب عرائس تحركهم خيوط خلف الستار.‏

يبدو ان الطائفية ما تزال تعشعش في بعض الرؤوس الخاوية، فقد وقف الكتاب الشيعة عموما مع ‏مختار العصر ومستشارته سليطة اللسان، حنان الفتلاوي، مشبهين الإنقلاب بفرحة الزهراء، ‏ووقف الكتاب من أهل السنة ضد الإنقلاب كأنما اردوغان كان نصيرهم خلال السنوات العجاف. ‏

قلَّما تجد تحليلا خرج عن هذا الإطار الطائفي.

الحق ان تقرأ او لا تقرأ مقالات الكتاب العراقيين ‏أمر سواء فهي بالمحصلة لا تقدم ولا تؤخر، ولا تخرج منها الا بنتيجة واحدة وهي التأسف على ‏ميدان الكتابة والدخلاء.

في اليوم الثاني للإنقلاب العسكري كانت الرؤية ما تزال مشوشة، وكان العالم ‏يترقب وينتظر البيانات سواء من الحكومة التركية او الجهات المعارضة لها، او الجهات الدولية. ‏الكل متريث، ويراقب عن كثب في إنتظار المعلومات الجديدة، ما عدا العراق وكتابه الجهابذة!

‏لعل اللوم عليهم أقل من لوم الحكومة والكتل السياسية.

كالعادة كان الموقف الرسمي ضمن إطار ‏المحاصصة الطائفية، الأحزاب الشيعية باركت الإنقلاب جهرا او سرا، والحزب الاسلامي ‏عارضه، وهناك جهات متعقلة لم تعبر عن رأيها وهذا هو الصواب.

المثير في الأمر إنه في ‏الوقت الذي كتم النظام الإيراني فرحته الكبرى بالإنقلاب فإلتزم الصمت، الا ان أقزامه في العراق ‏وسوريا لم يتمكنوا من كتم فرحتهم.‏

تركيا جارة اسلامية ومهمة وقوية، تؤثر وتتأثر بالأمن في العراق، ولها قوات عسكرية على ‏مشارف الموصل، وموقف الرئيس التركي معروف من العراق، لكن لا أحد يمكن ان يتكهن ‏بموقف الإنقلابيين من العراق، مما يستوجب عدم التسرع في إطلاق الأحكام المسبقة، لأن نتائجها ‏تكون وخيمة على البلاد، والعراق يكفيه ما فيه من أزمات مستديمة. كما أن الرئيس التركي مثلما ‏كشف أعداءه في القوات المسلحة، فأنه كشف أيضا من هم أعداءه ومن هم أصدقاءه من دول ‏الجوار وبقية دول العالم. ربما المواقف المتضاربة من قبل الأحزاب العراقية فيها منفعة لأنها ‏عبرت عن وجهات نظر مختلفة من الإنقلاب، لذا من الصعب أن ينظر الى موقف العراق كموقف ‏موحد من الإنقلاب.‏

لا يستغرب المرء من تضارب المقالات للكتاب العراقيين تأييدا أو رفضا للإنقلاب التركي فجيش ‏المالكي الإعلامي والذي يقدر بالآلاف كان يتحشد في الصف الأول لتأييد الإنقلاب، بإعتبارهم ‏صحفيون مرتزقة. وكذلك الأمر فيما يتعلق بالفضائيات الشيعية ومنها العراقية التي كانت ‏موضوعا للسخرية والتهكم بسبب بلادة مقدمي برامجها ومذيعيها وتحليلاتهم التافهة التي تعبر عن ‏ضحالة معلوماتهم الصحفية وإصطيادهم في المياه العكرة. فقد نشروا خبرا لا احد يعرف مصدره ‏إلا العالمين بالغيب، وهو ان الإنقلابيين يبحثون عن جرحى داعش في المستشفيات التركية، ‏والأغرب منه ان هذه الفضائية الضحلة أظهرت العلم التونسي محل العلم التركي الذي يشبهه لحد ‏ما في تغطيتها للإنقلاب!

في الوقت الذي فشل فيه الإنقلاب، الذي لم يستمر سوى بضعة ساعات وإستقرت الأمور لصالح ‏أردوغان، وقد أفشل الشعب وليس الحكومة، الإنقلاب كما إتضح للعيان، بخروج الملايين الى ‏الشوارع ومواجهتهم للدبابات بسياراتهم واجسامهم كما ظهر في مقاطع الفديو، فـإن بعض الكتاب ‏المأجورين إعتبر الإنقلاب ناجحا وفق مقاييس مخيلاتهم المضطربة، والبعض إعتبره البداية متوعدا ‏بالمزيد! كأنه احد المنظّرين للإنقلاب، والبعض إعتبر الإنقلاب الفاشل نهاية أكيدة لأردوغان ‏متجاهلا موقف الشعب التركي من رئيسه. وآخر كتب" دواعش اردوغان العراقيون". والبعض ‏إعتبر الإنقلاب فشل عسكريا ونجح سياسيا! ومنهم من اعتبره عودة الى العقل! وكاتبة مستجدة ‏تعتبر تركيا دولة داعش وليس العراق! وآخر تنبأ بسقوط حكومة الاخوان في تركيا، وهناك ‏مقالات غريبة بلغت من العجب شأوا كبيرا مثل مقال "اردوغان يركل جحش صدام". وآخر ‏يعاتب "اردوغان لا تحمضها". كأن اردوعان يصنع لبنة! وآخر كتب "فشل الإنقلاب وسقط ‏النظام" كيف يا رجل تجمع النقيضين؟! وآخر كتب" تفكير السلطان يهدم سلطنته"، ويبدو أن ‏الكاتب قد إنتهى توا من مشاهدة مسلسل حريم السلطان! وهناك من عكس اتجاه البوصلة مدعيا ‏بأن الانقلاب اختراع من قبل اردوغان لتصفية خصومه... وهلم جرا!‏

الحكمة تقول للحكومة العراقية وزعمائها الامّعات: تعلموا السياسة وفنونها مثل بقية الدول ‏المحترمة، ولا تتسرعوا في الحكم على الثورات والإنقلابات إلى أن تتوضح الرؤية الكاملة، على ‏أقل تقدير معرفة الجهة التي قامت بالإنقلاب وتوجهاتها. وبدلا من فوضى التصريحات إتخاذ ‏موقف رسمي واحد، وليست من المعقول كل يدلي بدلوه، فقد بلغت فضائحكم الزبى!‏

وتقول الحكمة للعقلاء وليس للكتاب المرتزقة وجنود المالكي: اتركوا تركيا بحالها وانظروا الى ‏حالكم البائس، أنتم اولى بالرثاء والخزي والعار من غيركم. لقد صنع الأتراك انقلابا سواء كان ‏بحق أو باطل، فهل أنتم قادرون على القيام بمثله؟ ‏

إن زعماءكم يسومونكم الذل والهوان والفقر والجوع ويسرقون أموالكم والبلد في الحضيض وفق كل ‏المؤشرات المحلية والدولية منذ الغزو ولحد الآن، وكل ما قمتم به تظاهرات باهتة لا تتناسب، لا ‏مع معاناتكم، ولا مع آمالكم كشعب محترم وواعي مثل بقية الشعوب. ‏

اتركوا تركيا للأتراك ولا تجعلوا من الطائفية الحمقاء دليلكم للحكم على أزمات الآخرين. تركيا ‏من الدول المتطورة في العالم وفق كل القياسات الدولية ومع هذا تعرض حاكمها لإنقلاب، ‏والعراق من أفشل الدول في العالم، ولم يحصل فيه إنقلاب على العملاء والفاسدين واللصوص. ‏والحليم تكفيه الإشارة!‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,358,054

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"