لا توجد أرقام دقيقة عن عدد الذين تم إخفاؤهم قسرياً في العراق في أعقاب الاحتلال الأميركي عام 2003، وتمتنع كل الجهات الحكومية عن تقديم أية أرقام في هذا الصدد، ربما لأنها لا تمتلكها أصلاً، فهي غير معنية بحماية العراقيين والدفاع عن حقوقهم.
وفي كل الأحوال سأشير إلى عدد من الحالات البارزة من مشاهد الإخفاء القسري التي تعرض لها العراقيون في السنوات الثلاث عشرة الماضية.
الأولى ما حدث على يد قوات الاحتلال الأميركي، حيث تشير معلومات لها قدر كبير من الصدقية عن اختفاء آلاف العراقيين خلال وجود الجيش الأميركي في العراق، حيث كانت تلك القوات تقوم بحملات اعتقال، خصوصاً في أعقاب المعارك الكبرى مثل معركتي الفلوجة وغيرها، وتتعمد اعتقالهم لفترات طويلة، ثم تطلق سراحهم، بينما تختفي آثار عدد من المعتقلين، وأعرف شخصياً بعضاً من الذين تم تغييب آثارهم رغم انهم كبار في السن.
القضية الثانية هي حادثة اختطاف الميليشيات الطائفية لمئات الأشخاص من منطقة الدور في محافظة صلاح الدين بعد استردادها من تنظيم داعش، وما يزال المئات من الشباب المختطفين مغيبين، رغم مرور نحو سنة ونصف على الحادث.
أيضاً اختفاء نحو 700 شخص من أبناء عشيرة المحامدة، وعشائر أخرى، في منطقة الصقلاوية، القريبة من مدينة الفلوجة، كبرى مدن محافظة الأنبار بغرب العراق، في يونيو/ حزيران/ يونيو الماضي، وهو رقم اعترف به محافظ الأنبار الحالي، صهيب الراوي، وتوصلت إليه لجنة تحقيق وتقصي في إدارة المحافظة، ولم يتم التوصل إلى أي نتيجة حاسمة عنهم.
وإذا كانت هذه الجرائم حدثت في ظروف معارك، فإن هناك حالات أخرى كثيرة جداً، جرت في ظروف مختلفة تماماً.
فالميليشيات الطائفية التي تتحرك في العراق بمنتهى الحرية وبغطاء رسمي مسؤولة عن كثير من حالات الإخفاء القرسي والتغييب المتعمد الجماعية، ونحن نتذكر حادثة اختطاف نحو 30 من أعضاء اللجنة الاولمبية في العراق عام 2006، وحادثة اختطاف ما يقارب من 50 من أفراد شركة حماية خاصة من مقرهم في شارع فلسطين بشرق بغداد، واختطاف 35 فردا من العاملين في شركات نقل أهلية من منطقة الصالحية بوسط العاصمة العراقية، وقبلهم اقتحام الميليشيات لإدارة مؤسسة البعثات التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، واختطاف نحو 150 من موظفيها ومراجعيها، حيث عثر على جثث عشرات منهم فيما يزال كثيرون قيد الإخفاء، وهناك أمثلة أخرى كثيرة.
وهناك العشرات من حالات اختطاف القيادات الأمنية والعسكرية والطيارين العسكريين في النظام الوطني السابق، والأكاديميين والعلماء، التي حدثت بشكل فردي، ولأغراض لا علاقة لها بالابتزاز، وانما لأسباب سياسية.
وهناك معلومات تتميز بقدر من الصدقية أن عدداً غير قليل من هؤلاء المغيبين قسرياً، نقلوا إلى إيران وتمت تصفيتهم بعد تعذيبهم، انتقاماً من مشاركتهم في الحرب التي دارت بين البلدين في ثمانينات القرن الماضي، وفي كل الأحوال فقد اختفت آثار العشرات منهم.
كما تم تغييب المئات من العراقيين في المعتقلات السرية التي تمتلكها الميليشيات، ويقدَّر عددها بالعشرات، أو تلك التي كانت تابعة إلى مكتب رئيس الوزراء السابق نوري المالكي شخصيا، مثل سجني الشرف والمثنى.
أيضا نشير إلى المقابر الجماعية التي اكتشفت وهي تحوي جثث مغدورين في عمليات قتل جماعية، أو فردية، نفذتها ميليشيات طائفية، ونذكر على سبيل المثال ان القوات الحكومية والأميركية التي خاضت معركة مع أفراد ميليشيا جيش المهدي في النجف عام 2004 اكتشفت اكثر من 200 جثة لنساء وأطفال ومدنيين اخرين ورجال شرطة دفنوا قرب الكراج القديم في مدينة النجف، وآخرين أعدموا في مرقد الإمام علي بن أبي طالب ودفنوا في أروقة وساحات المرقد، وجميعهم تم اعدامهم من قبل المحكمة الشرعية التابعة لمكتب مقتدى الصدر.