أسباب وخفايا الجدل الأميركي التركي حول عملية درع الفرات

ماجد عزام

اندلع سجال أميركي تركي علني حول تداعيات عملية درع الفرات، التي تنفذها  قوات الجيش السوري الحرّ بدعم من القوات الخاصة التركية، مع نفي أنقرة رسمياً للتصريحات العسكرية الأميركية التي تحدثت حول التوصل إلى هدنة بين القوات التركية وقوات حزب الاتحاد الديموقراطي - الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني التركي -  وزعمت أن  واشنطن خاضت حوارات مباشرة مع الطرفين اللذين أدارا أيضاً حوارات غير مباشرة بينهما، من أجل التوصل إلى تهدئة في المنطقة الواقعة غرب نهر الفرات، وفي محيط مدينة منبج تحديداً، وهو ما ردّت عليه أنقرة بغضب لأنه لم يحدث أصلاً، ولأنها لا تحاور تنظيمات إرهابية، ولأن واشنطن وضعت الطرفين على قدم المساواة.

 

يبدو السؤال ملحّاً ومهماً عن خلفيات لجوء واشنطن إلى بثّ أخبار غير صحيحة، أو مؤكدة ونهائية. وعن الرسائل التي أرادت إيصالها لمن يهمه الأمر. كما عن الأسباب التي دفعت تركيا بالرد بهذه الحدة والغضب على حليفتها الأميركية.

بداية أرادت واشنطن التعبير عن عدم رضاها أو غضبها من مجريات عملية درع الفرات، واتساعها وآفاقها المفتوحة، ولجوء الجيش الحرّ والقوات التركية إلى تطهير كل المناطق المحيطة والمجاورة لجرابلس من  تنظيم داعش، بما فيها تلك التي تتواجد فيها قوات البي كا كا السوري، الذي تعتبره أنقرة إرهابي، والذي يتواجد أصلاً في مناطق عربية تركمانية غير كردية. ناهيك عن قيام هذه القوات وتحت ستار محاربة داعش والتحالف الدولي بتنفيذ تطهير عرقي في معظم المناطق التي تدخلها.

واشنطن كانت تعهدت لأنقرة بانسحاب قواتي بي كاكا السوري  إلى شرق نهر الفرات بمجرد الانتهاء من تحرير مدينة منبج من تنظيم داعش في 13 آب/أغسطس الماضي، وهو ما لم يحصل رغم مرور ثلاثة أسابيع على طرد داعش من المدينة، ورغم طلب واشنطن العلني من تلك القوات للانسحاب بعد عملية درع الفرات الأسبوع الماضي، إلا أن ذلك لم يحصل بشكل تام أو أنه حصل إلى حدّ كبير، كما قال الناطق باسم البنتاغون في إشارة واضحة إلى أن واشنطن تريد المماطلة، أو على الأقل لا تبدو مستعجلة على إجبار حلفائها على الانسحاب، معتبرة أن لا مشكلة في تأخير إضافي لبضعة أيام، رغم معرفتها بالحساسية التركية تجاه الأمر.

ثمة رسالة مهمة أخرى حاولت واشنطن إيصالها لمن يهمه الأمر وتتعلق برغبتها في التركيز على المعركة مع داعش حصراً، باعتبارها القضية المركزية والخطر الأساس وكل ما عدا ذلك هو قضايا ثانوية أو هامشية من وجهة نظر إدارة أوباما، ويمنع على أي طرف تحديد أولويات أو معارك أخرى لا تريدها واشنطن في هذا الوقت بالذات.

لا يمكن استبعاد رغبة الإدارة الأميركية أو على الأقل جهات فيها في وزارة الدفاع تحديداً في الإبقاء على قوات سورية الديموقراطية كرأس حربة، والمقاتل الرئيس ضد داعش، حتى في غرب الفرات كونه الملتزم والخاضع دون أدنى نقاش أو ممانعة للخطط والخطوط المرسومة أميركياً. بينما لا يمكن ضمان نفس الشيء تجاه الجيش الحرّ أو حتى الجيش التركي.

أما فيما يخص الموقف التركي فقد تعاطت أنقرة مع التصريحات بانزعاج شديد، واستدعدت وزارة الخارجية التركية السفير الأميركي لإبلاغه غضبها أولاً لأن الأخبار غير صحيحة ومختلقة، وهدفت أو سعت للتشويش على مجريات العملية التي تقودها أنقرة بنجاح حتى الآن، إن فيما يتعلق بحفظ أمن حدودها أو بمنع داعش من التحرك بحرية على المناطق المتاخمة للحدود، أو امتلاك القدرة على تشكيل مخاطر على الأمن القومي، والتي مثّلت أحد أهم أسباب القيام بالعملية.

أنقرة انزعجت كذلك من التصريحات من حيث المبدأ وبغض النظر عن التفاصيل كون واشنطن وضعتها على قدم المساواة مع تنظيم تعتبره إرهابي، وحتى لو لم يكن إرهابي فإن لا يمكن، ولا يصح أن تضع حليفة مثل أميركا حليفة مهمة وكبرى لها مثل تركيا تملك أكبر جيش في الناتو بعد الجيش الأميركي على قدم المساواة مع تنظيم صغير بغض النظر عما إذا كان إرهابياً أو غير إرهابي.

غضب تركيا يعود كذلك إلى رفضها من حيث المبدأ أي حوار مع تنظيم إرهابي ما يعنى نقض موقفها أو منهجها في محاربة حزب العمال الكردستاني في مناطق شرق تركيا، واحتمال تصاعد أصوات سياسية إعلامية داخلية معارضة تطالب بالحوار معه طالما أن الأمر يجري مع جناحه السوري.

أنقرة تعاطت بحدّة مع التصريحات الأميركية لأنها لا تميز بين التنظيمات الإرهابية، ولا فرق لديها بين داعش وحزب العمال الكردستاني بجناحيه التركي والسوري، وهي ستقاتل داعش كما ستقاتل حزب العمال، وهي رفضت وترفض فكرة أميركا عن الاستعانة بإرهابيين لقتال إرهابيين أو التلطي وراء معايير مزدوجة، وحتى التعاطي بتعالي وعنجهية تجاه تركيا، وتنكّر لمواقفها ومصالحها الأمنية الحيوية.

ثمة أمر آخر أغضب تركيا، ويتعلق  بنجاحها في كسر فكرة الكيان الكردي على حدودها الجنوبية، الذي يشكل خطر أمنى عليها، كما على وحدة التراب السوري وشعورها أن واشنطن لا تمانع أصلاً إقامة كيان كهذا، وحتى لا تمانع جدياً فكرة تقسيم سورية، والنيل من وحدة ترابها. وهو ما يمثل أيضاً خطراً على المصالح التركية، ويشكل عائق أو حاجز يحول دون تواصلها مع محيطها العربي والإسلامي في الجنوب والشرق.

أعتقد أن الحدّة التي ردت بها أنقرة على التصريحات العسكرية الأميركية، تتعلق كذلك بفهمها بما بين سطور الرسالة الأميركية، والمتعلقة برفض تحول تركيا إلى لاعب مركزي في القضية السورية وفق مصالحها طبعاً، ورغبة واشنطن في إعادتها للعب وفق الخطوط الحمر المرسومة أميركياً، والتي تعتقد أنقرة أنها خاطئة، وحتى سيئة النية، وساهمت في وصول الأمور إلى ما وصلت إليه في جارتها الجنوبية.

بدا غريباً من وجهة االنظر التركية ايضاً أن تأتي اللهجة الأميركية حادّة أكثر حتى من اللهجة الروسية المهادنة والهادئة نوعا ما تجاه عملية درع الفرات، وبدت اللهجة الأميركية أقرب إلى اللهجة الإيرانية، والتي وإن كانت ترفض تقسيم سورية، إلا أنها تفهم كذلك مغزى تحول تركيا إلى لاعب مركزي في القضية السورية، تحديداً فيما يتعلق بتكريس دور الجيش الحرّ كلاعب مركزي في الساحة ورأس حربة في مواجهة داعش، كما بالتمسك بإسقاط بشار الأسد ونظامه، وهو ما لا تريد طهران الوصول إليه بأيّ حال من الأحوال.

عموماً أظهرت التصريحات الأميركية الخبيثة والخاطئة التخبط الأميركي وعدم امتلاك سياسة واضحة وراسخة تجاه تركيا، وحتى سوريا أيضاً. بينما أظهرت الردود التركية الحادة عليها الهوة الواسعة وحاجز عدم الثقة بين الحليفين، وأظهرت كذلك أن أنقرة ماضية قدماً في الدفاع عن مصالحها وحماية حدودها وضرب داعش، ومنع قوات بي كا كا السوري من القيام بتطهير عرقي، وإقامة كيان كردي أو جدار عازل على طول الحدود التركية مع سورية. وأظهرت كذلك التصميم على مواصلة عملية درع الفرات وفق الأهداف والخطط والمعايير العسكرية والجغرافية الموضوعة لها، والمتمثلة بالسيطرة على منطقة واسعة بطول 90 كم وعمق 30 إلى 40 كلم خالية من الإرهابيين، تكون آمنة للاجئين، كما للجيش السوري الحرّ الذي عاد إلى الواجهة ومن الباب الكبير، بحيث لا يمكن تجاوزه لا في محاربة داعش، ولا في تحديد مصير ومستقبل سورية في أي تسوية محتملة قادمة.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,904,652

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"