كيف غيّرت عقدة #العراق استراتيجية #أميركا في المنطقة؟

طلعت رميح

لن تحتل الولايات المتحدة أي بلد عربي أو إسلامي بجيشها وفق قاعدة أو اسلوب أو استراتيجية الاحتلال العسكري المباشر، خلال هذه المرحلة بسبب عقدة العراق، بسبب العقدة النفسية أو المعنوية التي أصابت هذا الجيل من الجنود الأميركيين – والساسة والقادة العسكريين قبل الجنود- وبسبب شدة وقسوة الخسائر التي منيت بها قوات مشاة البحرية الأميركية وقوات الحرس الوطني التي وطأت أقدامها أرض العراق.

 

وقبل هذا وبعده، فقد اهتزت قدرة الجيش الأميركي على الاحتلال المباشر لبلد عربي وإسلامي، كما اهتزت صورته الدولية، إذ قبل دخول القوات الأميركية للعراق، كان العسكريون الأميركيون يتحدثون عن قدرة قواتهم على خوض ثلاثة حروب في وقت واحد، فأثبتت المقاومة العراقية عدم قدرة الجيش الأميركي على شن الحرب وتحقيق الانتصار لا في حرب واحدة لا اثنين ولا ثلاثة.

ودعونا نقول إن عقدة العراق كان لها تأثير حاسم على الدول الاستعمارية الأخرى أيضا، فالعدوان العسكري الروسي الجوي على سوريا – دون انزال قوات برية كثيفة – والاعتماد على الميلشيات الإيرانية، تماما كما حال القصف الأميركي من بعد على ليبيا والاعتماد على ميلشيات حفتر وغيرها، كلها تغييرات ناتجة عن العقدة التي أصابت المقاومة العراقية بها جيش الاحتلال الأميركي، إذ رأى الجميع رأي العين ما يتوفر لإنسان تلك المنطقة من مهارات استراتيجية وقتالية ومن قدرة على التضحية.

ودعونا نقول أيضا إن ايران لا تجرؤ أن تعيد تشكيل استراتيجيتها لاحتلال وتحطيم دول الإقليم، لتتحول إلى التدخل بجيشها كقوة احتلال عسكري مباشر، بعد ما حدث للقوات الأميركية في العراق، وأن ما نراه بالإجمال من سلوك أميركي مغاير ومختلف – وروسي وإيراني وقد حاربت العراق بقواتها وفشلت من قبل - في كل العالم العربي والإسلامي ومن استراتيجيات جديدة أو أخرى، تعتمد استراتيجيات الحرب غير المباشرة على الأرض، ناجم وناتج عن العقدة التي أصابت الجيش الأميركي في العراق.

وعقدة العراق، لا يجب النظر لها كتجربة خاصة بأهل وأرض العراق فقط، فكما كان لعقدة فيتنام تأثير حاسم على الوجود والدور والاستراتيجيات الأميركية في عموم الهند الصينية أو جنوب شرق آسيا أو كل دول محيط فيتنام.

 كان للهزيمة المذلة التي مني بها الجيش الأميركي في العراق وتحولت إلى عقدة نفسية، وصلت للمرض النفسي العضال عند الاف الجنود - وهزيمة للروح المعنوية على نطاق واسع بحكم النشر عن تلك العقدة داخل الإعلام الأميركي - تأثير كبير بل وحاسم في كل العمل العسكري الأميركي الذي جرى في عالمنا العربي والإسلامي من بعد، خاصة وقد جرت تلك العقدة النفسية والمعنوية مدعومة في نتائجها وتأثيراتها بما جرى للقوات الأميركية في أفغانستان وقبلها في الصومال حين جرى سحل الجنود، وربما بسبب تأثيرات عملية قتل السفير الأميركي ورجال الاستخبارات في ليبيا في معركة استمرت لوقت طويل دون أن تتمكن القوات الأميركية من انقاذهم.

كما أن ما يجب قراءته من التحليلات والكتابات الأميركية، التي ركزت وتركز على أن الإسلام والمسلمين والجهاديين والراديكاليين والارهابيين والمتطرفين هم أعداء الولايات المتحدة، هو أنها عملية إعلامية وسياسية مرتبطة بالمعنى الاستراتيجي لطبيعة القوى العراقية التي ألحقت الهزيمة بالجيش الأميركي في العراق وأدخلته في عقدة العراق.

هي حالة من حالات تواصل الحرب واستمرار الصراع، ويمكن القول بأننا أمام تشويه وتبرير لما أصاب الجنود الأميركيين، باعتبارهم واجهوا خصما من نوع آخر.

ودعونا نقول، وبوضوح أيضا إن إيران وعملاءها الذين مثلوا السند للقوات الأميركية على الأرض العراقية، ولولاهم لكانت مشاهد الانسحاب الأميركي من العراق أشد ذلا مما جرى للجنود وللعملاء في فيتنام، يقع دورهم داخل نطاق عقدة العراق.

لقد كانت عقدة العراق أحد أهم معطيات ودوافع التفاهم والتناغم الاستراتيجي الأميركي الإيراني، ولقد ولدت تلك الحالة بسبب النجدة التي حققتها ايران لقوات الاحتلال الأميركي في العراق.

لقد لعبت الميلشيات الإيرانية على أرض العراق الدور الأخطر في دعم ومساندة "وانقاذ" قوات الاحتلال الأميركي خلال المعركة مع المقاومة، وإيران وميليشياتها هي من امنت قوات الاحتلال خلال خطة انسحابها سياسيا وعسكريا، ومن نافلة القول إن نورى المالكي هو من صبغ الهزيمة العسكرية الأميركية المذلة بصبغة الانسحاب، بعد أداء المهمة، عبر توقيع اطار اتفاقيات التعاون الاستراتيجي مع قوات الاحتلال الذي شكل غطاء للانسحاب دون اذلال واضح ومشين على الأقل أمام الرأي العام الأميركي خلال تلك الحقبة.

والأهم هنا أن الولايات المتحدة غيرت نمط استراتيجيتها في الإقليم وفق معطيات التخلص من عقدة العراق.

لقد تعلم الأميركيون الدرس من عقدة العراق خلال حرب التحرير التي خاضتها المقاومة، فصاروا في موضع البحث والتحالف مع قوات برية إيرانية ممثلة في الميلشيات لكي تقاتل بدلا منهم – على طريقة الأيدي الرخيصة في الصناعة - وكان درس تربية وتجهيز وتسليح الميلشيات الإيرانية على أرض العراق هو ما أصبح نمطا جديدا واطارا موحدا في الاستراتيجية الأميركية في الإقليم، وكان أهم الأمثلة هو ما جرى من تدريب ميلشيات كردية في سوريا وميليشيا حفتر في ليبيا، فضلا عن امتداد استخدام الميلشيات الإيرانية في العراق ولبنان إلى سوريا.

وكل ذلك هو عنوان للتفكير والتقدير الاستراتيجي الحالي والقادم لا الماضي، فقد انتهت قصة نزول قوات أميركية كثيفة على الأرض العربية والإسلامية وفق استراتيجية الاحتلال العسكري المباشر أو القديم، وذلك عنصر هام في التقدير الاستراتيجي، وقد ظهر جليا أهمية شعارات الوحدة الوطنية لعدم ترك فراغات ومساحات للأميركان وإيران لتشكيل جيوش يحمونها جوا.

وهكذا فبعد داعش، يجب إعادة تشكيل نمط محدد من تحالفات القوى السياسية في الدول العربية والإسلامية لمواجهة استراتيجية أميركية التي تعتمد تشكيل ميليشيات تقاتل نيابة عنها لتحقيق أهدافها.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,905,385

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"