بين (السيد) و (الرفيق) تراجعت الانتفاضة العراقية

عوني القلمجي

كان من المفترض ان تحقق الانتفاضة الوطنية الشعبية كامل اهدافها ‏السياسية. حيث توفر لها من شروط النجاح ما لم يتوفر للانتفاضات التي ‏سبقتها على مدار السنين الماضية. فهي شملت معظم المدن العراقية، ‏وانضوى تحت لوائها مختلف الفئات والاتجاهات والمذاهب والطوائف. وعلا ‏صوت شعاراتها ذات الطابع الوطني العراقي السياسي والعلماني، من قبيل ‏فصل الدين عن الدولة وتعديل الدستور والغاء المحاصصة الطائفية وتطهير ‏القضاء ومحاسبة المفسدين، وتشكيل حكومة وطنية مستقلة وكفوءة ‏ومخلصة. ‏

 

ليس هذا فحسب، فالحكومة واحزابها وبرلمانها، قد ملآ الخوف والرعب ‏قلوبهم، فممثلها حيدر العبادي وقف عاجزا عن فعل اي شيء امام هذا ‏الخطر الداهم. فلا هو استطاع انهاء الانتفاضة بالقوة العسكرية، كما فعل ‏سلفه نوري المالكي في تعامله مع الانتفاضات التي قامت بعهده. ولا هو ‏استطاع الالتفاف عليها عبر اجراءات اصلاحية تافهة. ناهيك عن النقمة ‏التي تولدت في نفوس العراقيين عليهم، جراء افتضاح امرهم امام الخلق، ‏لما ارتكبوه من جرائم وفساد وسرقات وتفريط باستقلال العراق وسيادته ‏الوطنية. بل ان كل واحد او حزب من هذه العصابة شعر باقتراب النهاية امام ‏هدير الانتفاضة وعزيمة ابنائها واصرارهم على معاقبة الفاسدين. وقد نجد ‏نموذجا صارخا عن هذا الخوف والرعب في الهروب المخزي لاقطابها ‏وقادتها وبرلمانيها الى اماكن مجهولة، لمجرد دخول مجموعات قليله من ‏المتظاهرين الى داخل المنطقة الخضراء. ‏

 

لكن ما حدث كان غير ذلك تماما، على الرغم من كل شروط النجاح تلك. ‏فبالاضافة الى فشل الانتفاضة في تحقيق هدف واحد من اهدافها، بدأت ‏بالتراجع يوما بعد اخر، واختفى بريقها، وزال تاثيرها، لينتهي فعلها ‏السياسي الشعبي الواعد الى فعل سياسي عبثي، اقتصر على تظاهرات بين ‏فترة واخرى، ولساعات محدودة ، كما تبخرت شعاراتها الوطنية السياسية ‏واختزلت بشعار واحد، يدعو رئيس حكومة الفساد حيدر العبادي الى تشكيل ‏حكومة تكنوقراط!!!. وحتى هذا المطلب البسيط لم ينتج عنه سوى تعين عدد ‏من الوزراء، اختفت اسمائهم واخبارهم في دهاليز المنطقة الخضراء.  ‏

ترى ما الذي ادى الى هذا التراجع المفجع؟

هنا نحتاج الى كثير جدا من الصراحة والوضوح وعدم المجاملة لاي كان. ‏فالاوطان عندما تتعرض للخطر، وتوضع العقبات في وجه الشعب للدفاع عن ‏نفسه وانتزاع حقوقه المشروعة. فان المسؤولية تصبح جماعية. اي من ‏حق اي فرد المساهمة في كشف الاسباب التي ادت الى ذلك. ولكي لا نطيل ‏اكثر ومن دون الدخول في مقدمات تمهيدية، او مرافعات قضائية، فان ‏تراجع الانتفاضة او هزيمتها، ليس مرده قوة خصمها الممثلة بالحكومة ‏وبادواتها القمعية من شرطة واجهزه امنية او مليشيات مسلحة، وانما مرده ‏يعود الى وقوع الانتفاضة رهينة بين السيد، ونقصد به رجل الدين مقتدى ‏الصدر وتياره، وبين رفاق عملية الاحتلال السياسية، ونقصد بهم رفاق ‏الحزب الشيوعي العراقي، والذين يدورون في فلكه.‏

ففيما يتعلق بالسيد مقتدى الصدر، فانه اثبت، بما لا يدع مجال للشك، بان ‏ركوبه موجة الانتفاضة لم يكن، كما تخيل البعض، من اجل قيادتها وتحقيق ‏اهدافها المعلنة، وانما من اجل ان يكون المنقذ  والزعيم الاوحد القادر على ‏حماية الحكومة وعمليتها السياسية من السقوط، بعد ان عجزت هذه ‏الحكومة الفاسدةعن حماية نفسها، وذلك من خلال انهاء خطر الانتفاضة ‏عليها. فكانت الخطوة الاولى ان دفع بتياره الواسع لاكتساح الانتفاضة في ‏عقر دارها، في ساحة التحرير، وفرض هيمنته عليها، والتفرد بقيادتها، ‏والتحكم بمسيرتها، والادعاء بتمثيلها. وكانت الخطوة الثانية، منع تحول ‏الانتفاضة الى ثورة شعبية سلمية او مسلحة تؤدي حتما الى سقوط الحكومة ‏وعمليتها السياسية. وذلك من خلال اصراره على سلمية الانتفاضة وحصرها ‏بشعارات مطلبية بسيطة تستجديها من حكومة عميلة وفاسدة، ودعكم من ‏شعارات السيد من قبيل"شلع قلع كلهم حرامية. فالحرامية الذين قصدهم ‏السيد، لازالوا في امكانهم معززين مكرمين، بل وجعل منهم قضاة اشراف، ‏يحكموا بين الناس بالعدل، ويقيموا الحدود، وينصفوا الشعب المظلوم، ‏ويامروا بالاصلاح واجتثاث الفساد. وهذا ما يفسر رعاية الحكومة ‏للمظاهرات في ساحة التحرير، وحماية خيام اعتصامه قرب اسوارالمنطقة ‏الخضراء، واستقبال الاجهزة الامنية للسيد عند دخوله اليها، ووضع ‏حراسات مشددة حول خيمته، واتخاذ كل الاجراءات الضرورية واللازمة ‏للحفاظ على حياته. ‏

هذا ليس تجنيا على السيد. فالرجل وتياره جزء لا يتجزا من العملية ‏السياسية، وهو، كبقية اطرافها، دون استثناء، حريص كل الحرص،على ‏حمايتها والحفاظ على ديمومتها، واحباط اية محاولة لاسقاطها، او حتى ‏المساس بمرتكزاتها الرئيسية، وفي المقدمة منها المحاصصة  الطائفية ‏والعرقية. ودعكم ايضا من حديث السيد عن رفضه للمحاصصة. فهو في ‏صلبها ومن اركانها، وتنعم بخيراتها، بل وسكت عن جرائمها وموبقاتها ‏طيلة احد عشرا عاما، ولحد هذه اللحظة. وخير دليل على ذلك فالسيد اعلن ‏بانه مستعد للاشتراك في الانتخابات القادمة. اما وضعه لبعض الشروط، مثل ‏تعديل قانون الانتخابات، فهذه ليست سوى ذر الرماد في العيون. ومن ‏الطريف ان السيد يعلم علم اليقين بان القوائم الانتخابية الفائزة يقررها ‏المحتل الامريكي وبالتوافق مع شريكته "الجارة" ايران، وليست صناديق ‏الانتخابات.‏‎ ‎

اما الرفاق الذين دفع بهم الحزب الشيوعي للاشتراك في التظاهرات، ‏والادعاء بقيادة التيار المدني داخلها، فقد اراد من ذلك  تحقيق هدفين ‏رئيسيين. الاول مشاركة السيد بانقاذ عملية الاحتلال السياسية من السقوط ‏والثاني تبرئة ساحته من جريمة قبوله بالمحتل الامريكي والمشاركة في ‏عمليته السياسية ودفاعه المستميت عنها، والسكوت عن كل سرقاتها ‏وجرائمها طيلة سنين الاحتلال العجاف. ‏

هنا ايضا لا نتجنى على الرفاق. فقد عمل هؤلاء بكل جد واجتهاد على عقد ‏تحالف متين مع السيد، بل وضعوا انفسهم تحت امرته وقبلوا به قائدا وممثلا ‏وحيدا للانتفاضة ونفذوا كل توجيهاته وتوجهاته السلمية للابد. ووقفوا ضد ‏اي نقد او حتى عتاب يوجه للسيد وتياره. بالمقابل فقد ساهموا مساهمة فعالة ‏في الترويج لهذه التوجهات السلمية واعتبروا الخروج عليها مؤامرة لان ‏ذلك يؤدي الى الصدام مع الحكومة. الامر الذي سيصب، حسب رايهم، في ‏مصلحة داعش ويمكنهم من الدخول الى بغداد، وفي نفس الوقت  سيزيد من ‏معاناة العراقيين ويؤدي الى سفك الدماء البريئة!!!!.. بعبارة اخرى فقد لعب ‏الرفاق دورا كبيرا ومكملا لدور السيد في تحجيم خطر الانتفاضة على ‏الحكومة وعمليتها السياسية.‏

اذا لم يكن الامر كذلك، وان السيد والرفاق لم يسرقوا الانتفاضة لمنع عملية ‏الاحتلال السياسية من السقوط ، ترى لماذا تجاهلوا الاسس والقوانين العامة ‏التي تشكل القاسم المشترك لجميع الانتفاضات التي خاضتها الشعوب ‏وحققت انتصاراتها، بغض النظر عن مكانها وزمانها، وبغض النظر ايضا ‏عن خصوصية كل انتفاضة على حدة؟ ام ان السيد والرفاق قد اخرجوا ‏الشعب العراقي من قائمة الشعوب الحية التي تستطيع انهاء الظلم والقهر ‏والاستعباد عبر الانتفاضة او الثورة سواء كانت سلمية او مسلحة؟.‏

ازعم بان السيد والرفاق على دراية تامة بشروط الانتصار لاية انتفاضة، ‏لانها ليست سرا او بحاجة الى عقل متميز، او خبرات استثنائية. فجميع ‏شعوب الارض لجأت الى الانتفاضات المسلحة حين يعجز ابناءها عن انتزاع ‏حقوقهم عبرالطرق السلمية، وهذه واحدة من سنن الانتفاضات الشعبية، فاما ‏ان تتخذ طريق النضال السلمي اوالسياسي، واما طريق النضال المسلح، وان ‏اختيار واحداً منها لا يجري اعتباطا او مزاجيا، وانما تحدده طبيعة الصراع ‏فيما اذا كان صراعا تناحرياً او صراعاً ثانوياً، ففي الحالة الاولى يتقدم ‏النضال المسلح على الوسائل النضالية الاخرى، وفي الحالة الثانية، يتقدم ‏النضال السياسي والسلمي على النضال المسلح، واما في حالتنا هذه، ‏فصراع الحكومة والاحزاب الحاكمة مع الانتفاضة هو صراع تناحري ‏وصراع وجود، لا يحل سلميا على الاطلاق، وهذا ما  يفسر رفض الحكومة ‏التسليم بمطالب الانتفاضة، لان الاستجابة لها تعني سقوط الحكومة ووضع ‏اعضائها واعضاء البرلمان خلف القضبان. ثم ان السيد والرفيق يعلمون ‏علم اليقين بالاسس التي تمكن اية انتفاضة من تحقيق الانتصار. ومن هذه ‏القوانين تشكيل قيادة مشتركة وموحدة، تعتمد على برنامج سياسي مشترك، ‏والية تستند اليها، واعتماد جميع وسائل النضال بما فيها النضال المسلح. ‏ترى هل فعل السيد والرفيق شيئا يذكر في هذا الخصوص؟ ام ان السيد ‏اصبح بمباركة الرفاق القائد والموجه والامر للانتفاضة؟ ‏

لقد اكدت الوقائع والاحداث طيلة الخمس سنين الماضية، والتي شهدت ‏انتفاضات عديدة، بان التمسك الى الابد بالسلمية طريق فاشل لم تجن ‏الانتفاضات منه سوى الخيبة تلو الاخرى، كما لم تجن ايضا اي مكسب من ‏ادخال بعض التزويقات على مبدا السلمية، من قبيل الدعوات الى الاضراب ‏العام مرة والى الاضراب عن الطعام مرة اخرى. اما الطرق السلمية الاخرى ‏كالانتخابات فقد جربها العراقيون مرات عديدة. وهي الاخرى لم ينتج عنها ‏سوى تغيير الوجوه والوزراء. فالكل حرامية وقتلة. وقد اثبتت الوقائع هذه ‏الحقيقة. فكلما ذهب حرامي مختص بسرقة الالوف من الدولارات، جاء ‏الخلف ليختص بسرقة الملايين، وخلف الخلف اختص بالمليارات وهكذا ‏دواليك.‏

نعم لقد حققت بعض الانتفاضات اهدافها من خلال الوسائل السلمية، ولكن ‏ليس في ظل حكومة عميلة واعضائها لصوص وقتلة، وانما حققتها في ظل ‏حكومات وطنية مستقلة، التي غالبا ما تستجيب لمطالب الناس اذا هي ‏اغفلتها او قصرت في اداء واجباتها، او حاولت الاستفادة على حساب ‏شعوبها.‏‎.‎

باختصار شديد فان الانتفاضة المسلحة اصبحت الطريق الوحيد لاسقاط ‏الحكومة العميلة والاتيان بحكومة وطنية مستقلة. واللجوء الى الانتفاضة ‏المسلحة ليست ابتكارا عراقيا، وانما هي وسيلة اخذت بها كل الشعوب ‏المظلومة. وهي في نفس الوقت حق مشروع للشعوب ضد الظلم والفساد، ‏بل وتعد من قبل الدول المتحضرة فعل انساني يحظى بالاحترام، اضافة الى ‏شرعيتها بمنظور القوانين الوضعية والسماوية.‏

اما وصف الانتفاضة من قبل اعداء الشعوب والمرتزقة والانتهازيين ‏والمستفيدين من الحكومات، بانها دعوة للاقتتال بين ابناء الشعب، او بين ‏طوائفه وتياراته المختلفة، فهذا يعد تجنيا وافتراءا. بمعنى اخر فان الشعب ‏العراقي ليس الوحيد بين شعوب العالم الذي ينال حقوقه بالقوة، خاصة اذا ‏كانت القوة وتكاليفها تعادل عودة الوطن الى اهله وادارته من قبل ابنائه ‏المخلصين، وتوظيف ثرواته لصالح اجياله المتتابعة. الم يخبرنا الامام علي ‏ابن ابي طالب رضي الله عنه حين قال  اني لاعجب من انسان يجوع ولا ‏يسل سيفه؟.‏

وعلى هذا الاساس ينبغي على العراقيين، سل سيوفهم لتحقيق كامل اهداف ‏الانتفاضة السياسية، وان لا يثقوا باي طرف من اطراف العملية السياسية، ‏بما فيهم مقتدى الصدر وتياره، وان يوحدوا بالمقابل صفوفهم ويقوموا بجهد ‏لتعبئة عموم الناس وحشدهم، تمهيدا للقيام بالانتفاضة الكبرى، التي وحدها ‏تعيد للعراق استقلاله وسيادة الوطنية كاملة غير منقوصة. وفي نفس الوقت ‏تعيد للعراقيين حقوقهم المشروعة في العيش الكريم والتقدم وتحقيق ‏الرفاهية والتنعم بخيرات العراق.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,345,685

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"