صناعة الإيفاد في وزارة الخارجية/ 1

عبد الحسين شرهان

لا نبالغ حين نقول ان الإيفاد اصبح حرفة يمتهنها البعض في وزارة الخارجية العراقية، صحيح ان للإيفاد قانون يعرف بـ "قانون الإيفاد والسفر"، وله أسبابه وموجباته وتخصيصاته المالية، إلا ان لهذا القانون مريدون ومدمنون وعشاق كعشاق فريقي ريال مدريد وبرشلونة.

 

وبعد إجراءات التقشف التي اتخذتها كافة الوزارات والدوائر وخصوصاً في إيفاد موظفيها الى الخارج للمشاركة في المؤتمرات الدولية والاجتماعات الثنائية والزيارات والمعارض والى آخره من الأسباب، جاء في التعليمات الجديدة بند "الضرورة القصوى" كمبرر جديد لبعض الإيفادات، لتبرز هنا مهارة صناع الإيفادات، ولأن اغلب عوائل المسؤولين في وزارة الخارجية يقيمون خارج العراق، ترى بعضهم يعمل في الدائرة أو القسم الذي يغطي القارة أو البلد الذي تتواجد فيه عائلته، ليرصد عن قرب المواضيع والمشاكل التي تخص ذلك البلد، ليظهر امام وزارته باعتباره من المتخصصين في الشأن التركي مثلاً أو السويسري أو المصري ليقتنص الإيفادات الى إحداها، وتحديداً حيث تقيم عائلته، فيتابع اللجان المشتركة والمؤتمرات والمواضيع التي تهم العراق مثل حقوق الانسان أو الطاقة أو الارهاب أو المياه "الضرورة القصوى"، وإذا لم تتوفر تلك المواضيع فيعمد البعض من أولئك المسؤولين الى إثارة الجالية العراقية في ذلك البلد ضد السفارة او القنصلية وتحريضهم ضد موظفيها، بل وحتى استكتابهم الشكاوى ضدها، وهنا يشرع في كتابة المطالعات والتقارير، الى السيد الوزير او من يعينه في إدارة شؤون الوزارة، التي تحتوي على سرد تضخيمي للامور والمبالغة في الوصف لحالة ما في بلد ما كشكاوى المواطنين "الضرورة القصوى"، مع مقترح في نهاية التقرير بإيفاد كاتبه "السيد رئيس الدائرة" الى ذلك البلد  لحل تلك الأمور، "الضرورة القصوى"، والغرض الحقيقي هو زيارة العائلة الكريمة ورؤية الزوجة والأولاد والحصول على تذاكر الطائرة ذهاباً واياباً على نفقة الوزارة وكذلك المخصصات اليومية للإيفاد "الخرجية" والإقامة في بيت العائلة أحياناً، إذا لم يذهب للمبيت في الفندق، وعندها يشعر بأنه وفر على الدولة أجور الفندق.

ويتباين صناع الإيفاد في وزارة الخارجية بمهاراتهم كل حسب مجال عمل دائرته واختصاصها، فهناك ملفات يحتكرها البعض لأنها مادة أولية لايفاد دوري "سنوي أو نصف سنوي" كملفات  الامم المتحدة ومنظماتها المتعددة، وهذه ايفاداتها ثابتة وبلدانها معلومة، وإذا كان من المحترفين في هذه الصنعة لا يكتفي بهذه الملفات بل تجده يبحث عن اللجان، وهذه مواضيعها لا تعدُّ ولا تحصى، فاللجان في وزارة الخارجية في كل مكان وفِي كل آن، منها اللجان الهندسية واللجان التحقيقية واللجان القانونية ولجان العقود ولجان متابعة شكاوى الجاليات العراقية في الخارج، وكلها مواد دسمة للإيفاد.

أما اذا كانت عائلة رئيس الدائرة نفسه تقيم في البلد الذي يقع ضمن اختصاص عمل دائرته فيكون تقييم السفارة او القنصلية في ذلك البلد مرهون بقدر الخدمات التي تقدم لعائلة رئيس الدائرة، حيث ان تخصيص سيارة وسائق من السفارة لخدمة العائلة سياق عام، وطلبات الزوجة والأولاد أوامر، فضلا عن متابعة شؤونهم والاهتمام بها، كدراسة الأولاد ومعاملات العائلة في دوائر الإقامة وحتى مواعيد المراجعات الطبية، فضلا عن طلبات أصدقاء العائلة وأقاربهم المقيمين في نفس البلد كلها تصبح من أولويات العمل في السفارة او القنصلية العراقية في ذلك البلد.

وقد استحدث احد رؤساء الدوائر مؤخراً إيفاداً شهرياً له بحجة تنظيم العمل في البعثة الموجودة في البلد الذي تقيم فيه عائلته، وبذلك حصل على ايفاد ثابت مرة واحدة كل شهر لا يقل عن أسبوع لزيارة عائلته، وبهذا استحق لقب صانع الإيفادات الاول على مستوى العراق وليس على مستوى وزارة الخارجية فقط، وربما يؤهله للدخول في موسوعة غينيس للأرقام القياسية.

والبقية في الإيفاد القادم.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,344,892

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"