قطعَ عزيزٌ ما كان يرسله إليَّ وكتب هذه الجملة "أبو خالد سيبقى خالداً..."
خير؟!
تساءلت وأنا أحاول ان أنكر ما قرأته وفهمته.
"أبو خالد سيبقى خالداً..."
وصلتني العبارة مرة أخرى، وكأن من كتبها لم يطاوعه قلبه ان يقول: رحل ابو خالد!
تماماً مثلما لم يطاوعني قلبي انا على تصديقها!
... هكذا وصلني خبر رحيلك اذن، استاذي الحبيب، في يوم تشريني بعيداً عن العراق الذي عَشَقْتَهُ كما لم يفعل أحد، الى حد انك حلمتَ بموتك فيه (جذلاً!) موتٌ "بهِ ضجيــــجٌ منَ الأضواءِ والظُّـلَـمِ
(وأهلك وصحبـــك، وأشعــارك مُنَثَّرةً) على الجنـازةِ.... أصواتاً بلا كَــلَـــمِ!
لكنك رحلت في باريس!
....
أظنني كنت في السادسة عشرة من عمري أو أقل أو أكثر قليلاً حين وقفتُ أمامك بعد ان ناديتني إثر انتهاء مهرجان للخطابة في بغداد، وسألتني عن اسمي ودراستي، متحدثاً عن إعجابك بالنص الذي كتبتُه وألقيتُه!
أتذكر لحظتها إنني كنت أرد بكلمات وانا أردد في نفسي: أنا أمام عبدالرزاق عبدالواحد، أنا
أمام عبدالرزاق عبدالواحد!
"ستكونين أديبة ممتازة" قلت لي، واذا احتجت إلى أي مساعدة أو كتب: أنا حاضر!
أخذتني بعدها دراسة الهندسة والحياة من الأدب واخذك (الاحتلال) من العراق، مثلما أخذني ايضا!
وبعدها بسنوات وبين غربة واُخرى وصلني عنوانك!
فكتبت لك متلهفة لتردَّ كما بقيت تفعل.. بكل كرمٍ ومحبةٍ ولهفة!
... لتدرك تلك الفتاة التي وقفت أمامك يوما وهي منبهرة بعظمة الشاعر، أن عبدالرزاق عبدالواحد الانسان كان اعظم وأرقَّ كثيراً حتى من أحلى أبيات شعره.
واليوم وأنا أبحث في بريدي الالكتروني (ومنذ لحظة رحيلك) واقرأ رسائلك كي أستعير منها جملاً أـنشرها تتحدث عنك، أعود (خائبة) خجلة لأني لا أجد في الرسائل إلا سطوراً عذبة تمتدح كتاباتي المتواضعة!
.....عبدالرزاق! هكذا كنت تذيِّل رسائلك التي كنت ترسلها الي وكأنك تتحدث الى شخص بقامتك!
ربما لأنك كنت ترى فينا "خالد وماجد وسلام ورغد"، وكنا نرى فيك العراق، ربما لهذا أيضاً لم أجد ما أكتبه يوم رحلت إلا عبارة: "رحل عراقُنا الذي رافقنا بعد ان احتلوا عراقَنا واختطفوه منا"
وقد كنت والله عراقنا!
حملت همَّه وهمَّنا أينما حللت وارتحلت ويوم اجتمعت الدنيا كلها لـ(تهين) العراقي وتاريخه وشخصيته (زأرت):
أموت فيكم ولو مقطوعة رئتي يا لائمي في العراقيين لا تلُمِ
فأعدت الاعتبار لأبناء بلدٍ احبّوك كما أحببتهم..
لم تهادن ولم تساوم حتى بعد ان سقط كثيرون (واعتذروا) عن مواقف مشرِّفة ليتبنوا خطابا يرضي هذا وذاك، وكنت وأنت الذي تجاوزت الثمانين تنتقل من منصة الى أخرى ومن وجعٍ الى وجعً لتذكَّر الجميع: القتلة والضحايا، الساخرين والباكين، الساقطين والقابضين على الجمر، الخونة والعراقيين بأنّه "درة الاوطان أجمعها، فأين عن غرّة الاوطان نرتحلُ" ......
رحلت غريباً، والعراق الآن غريب.
...... دمعٌ لبغداد، دمعٌ بالملايين....
يا (عبدالرزاق) ....لأن عينيها لم تكتحلا برؤية عاشقها... ولا ترابها ضمَّ (الجملَ) الذي بقي مخرز الموت ينشتل في جنبيه، لكنه مع شديد الوجع لم تنته رحلته عند (باب داره).
يشهد الله انك لم تخن العراق (فهنيئاً لك)، وأنك كنته حين كان طعيناً (ولا يزال)..
وأن جفونك وان انطبقت في (باريس) حيث الناس (لا أهلك ولا لغتك وحيث روحك فيها صدع منثلم) فإنها (تلاقت على العراق).
مودتي ومحبتي (كما كنت تنهي رسائلك إليَّ) أستاذي. (واعتذاري على إيصالي كل هذا الحزن إليك) *
...... مياه الفراتين تدري أبا خالد وندرك نحن معها "ان اعظم من غنى لها رحلا" ....
فيا لوجع العراق، وَيَا لوجعنا!
.... لك وأنت ترقد في تراب باريس وللعراق الذي لم يحتضنك ترابه، سلامي ....