صناعة الإيفاد في وزارة الخارجية/ 2

عبد الحسين شرهان

أدارت وزارة الخارجية العراقية في السنوات العشر السابقة حملة مشاريع من خلال الدائرة الهندسية فيها لبناء مباني جديدة لبعض السفارات والقنصليات العراقية في الخارج وإعادة تأهيل البعض الاخر منها، مستعينة بالكادر الهندسي في الوزارة، وهذه ظاهرة جيدة بحد ذاتها، حيث أوفدت المهندسين للاشراف على اعمال البناء او التعديلات على الأبنية العائدة لها في بعض البلدان، وكانت هنا بداية العلاقة بين المهندس والسفير أو القنصل المعني، والتي رسم ملامحها جدول الكميات المُعد من قبل الشركات المنفذة لاعمال البناء بأشراف المهندس الموفد من الوزارة وحسب طلبات الدبلوماسي المسؤول.

 

لكن هذه العلاقة الجديدة انعكست على مستوى تعيينات المهندسين في وزارة الخارجية، بعد ان التقت مصلحة الطرفين، فالمهندس يريد ان يعيش داخل مجتمع الدبلوماسيين، والسفير يبحث دائماً عن من يلبي طلباته، وقد وجد المهندسون فرصتهم في حاجة السفراء لهم واخذوا يروّجون لهذا الامر، وعلى قدر جدول الكميات تُبنى العلاقات!

ربما لا يفهم البعض ما حملته طيات السطور أعلاه من معنى، الا ان السفراء والمهندسين اللذين عملوا سويةً في السفارات التي شملتها حملة البناء او اعادة تأهيل مبانيها او دور السكن يفهمون جيداً المعنى المقصود.

فالتوسع الحاصل في تعيينات المهندسين ونقل خدمات المُعين منهم الى ملاك وزارة الخارجية اصبح اليوم مدعاة للتساؤل بعد ان كثُرتْ أعدادهم وتنوعت كوادرهم، ولا شك في ان هناك "لوبي هندسي" داخل الوزارة يقوم بسحب المهندسين على مختلف اختصاصاتهم من وزاراتهم الى وزارة الخارجية، فنقل خدمات المهندسين جارٍ على قدم وساق من وزارات الإسكان والكهرباء والعلوم والتكنولوجيا والصناعة والنقل الى ملاك هذه الوزارة، كل ذلك بقصد الايفاد أولاً، والتغلغل داخل الملاكات الاصيلة الدبلوماسية والإدارية ثانياً، وتغيير العناوين الوظيفية الهندسية للبعض منهم الى عناوين ادارية ودبلوماسية وزجهم في دوائر الوزارة الإدارية والسياسية يأتي ضمن إدارة أعدادهم المتزايدة ودمجهم مع الكادر الأصيل لوزارة الخارجية، مع الاحتفاظ بولائهم الى "اللوبي الهندسي" لخدمة رعاياه.

ولَم يكتفِ "اللوبي الهندسي" في هذه الوزارة بالإيفادات الدورية بحجة الكشف على مباني السفارات العراقية، بل ابتكروا في العام الماضي طريقة جديدة للإيفاد وهي ما يسمى بـ "المحطات الهندسية" في الخارج، لشمول العناوين الوظيفية الهندسية بالنقل للعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية أسوة بالدبلوماسيين والاداريين، وتم لهم ذلك بالفعل رغم تعليمات التقشف والتقنين في المصاريف لتلبية طلبات السفراء، ونجد ، تحت هذه الذريعة، في كل سفارة او قنصلية حالياً مالا يقل عن ٣ مهندسين في كل من هذه المحطات، منهم المهندس الميكانيكي والمهندس الكهربائي والمهندس المدني، بل وحتى فنيو التبريد، بحجة القيام بأعمال الصيانة والادامة، والجميع في مجتمع وزارة الخارجية يعلم تماماً ان كل ما يقوم به المهندسون في البعثات الدبلوماسية هو الاتصال بإحدى شركات صيانة المصاعد مثلاً او صيانة اجهزة التدفئة والتبريد او شركة لإصلاح أضرار الرطوبة، وهذا ما يقوم به عادة المترجم المحلي مع المحاسب.

لقد أصبح المهندسون في وزارة الخارجية يمارسون دور الأقلية في اي مجتمع، يدّعون المظلمة ويطالبون بمساواتهم مع الأغلبية من حيث الحقوق، هذا من جهة، ومن جهة اخرى لهم القدرة على احتواء السفراء وخلق جو من الدعم المتبادل لمصلحة كِلا الطرفين على حساب الكادر الدبلوماسي والاداري، وهم في الحقيقة مجتمع هجين داخل هذه الوزارة، فالعمل الدبلوماسي بعيد كل البعد عن هذه التخصصات، وكل ذلك يجري فقط لأجل الايفاد او النقل الى الخارج، وهو أمر يتم تحت لائحة من الذرائع الوهمية.

والبقية في الايفاد القادم.


comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,897,750

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"