جبهة وطنية مقابل مبادرة مشبوهة

عوني القلمجي

من المؤسف حقا ان تنظر بعض القوى والاحزاب والشخصيات الوطنية، ‏بعين الرضى والقبول الى المبادرة التي تبناها المدعو عمار الحكيم، أوتعليق ‏الامال عليها من قبل البعض الاخر.

 

في حين تشير جميع الدلائل الى ان هذه ‏المبادرة ليست سوى محاولة أميركية حثيثة، الهدف منها انقاذ ما يسمى ‏بالعملية السياسية من السقوط. اذ ليس بمقدور عمار الحكيم ولا تحالفه ‏الطائفي المقيت ولا غيره، القيام بمثل هذه الخطوة بمعزل عن السيد ‏الأميركي، كونه الراعي الاول والاخير لهذه العملية السياسية الهزيلة.

والا ‏بماذا نفسر تزامن هذه المبادرة، وما سبقها من مبادرات، مع كل مرة تتعرض ‏فيها هذه العملية الى السقوط؟ ثم ماذا حصد الناس من المبادرات السابقة ‏سوى الخيبة تلو الاخرى؟! ‏

ولكي لا نطيل اكثر، ومن دون الدخول في تفاصيل المبادرة حتى لا تمسنا ‏شياطينها، فان أميركا، وباختصار شديد، قد فقدت الثقة بهذه العملية ‏وبجلاوزتها، كأداة فعالة يمكن الاعتماد عليها لتكريس مشروعها الغادر في ‏العراق. وبالتالي لابد من اعادة صياغتها من جديد، لبعث الروح فيها ‏وكسب ثقة الناس بها لتتمكن من تنفيذ الدور الموكول لها، وفي المقدمة منه ‏منع قيام أية انتفاضة شعبية تهدد بسقوطها في المستقبل. بالضبط كما فعلت ‏أميركا في مرات سابقة، حين هددت المقاومة العراقية هذه العملية ‏بالسقوط، وجراء الضعف الذي أصابها بسبب  الصراعات والخلافات التي ‏دارت بين اطرافها على تقاسم السرقات والمناصب وغيرها. وقد نجد نموذجا ‏عنها بما قامت به كوندليزا رايس، وزيرة خارجية جورج بوش الابن، في ‏منتصف عام 2005.  فأمرت جلاوزتها، سواء في الحكومة او البرلمان، ‏باجراء تسوية فيما بين اطرافها والدعوة الى المصالحة مع خصومها ‏لحرمان المقاومة العراقية من الحاضنة الشعبية لها ومن ثم عزلها وازالة ‏خطورتها. ‏

دعونا نسترسل اكثر، فهذه المبادرة لن تقتصر على المصالحة او التسوية ‏بين اطراف العملية السياسية، وانما تعدَّتها ايضا لتشمل قوى واحزاب من ‏خارجها، بما فيها بعض القوى والاحزاب التي كانت تعمل في صفوف ‏المقاومة العراقية، او ممن حمل السلاح ضد الاحتلال الأميركي، واذا حدث ‏ذلك، او تورط بعضٌ منها في هذه التسوية، فهذا سيعدُّ طعنة في الظهر، على ‏إعتبار ان المصالحة مع العملاء تشكل اعترافاً بالاحتلال كأمر واقع، وتبعث ‏الروح في العملية السياسية، وتكسر الحاجز الوطني والنفسي لدى البعض ‏ليجيز التعامل معها والتطبيع مع عملائها.‏

ولتشجيع هؤلاء، حرصت أميركا على إشراك الامم المتحدة، وربما مجلس ‏الامن، كطرف ضامنٍ لهذه التسوية. وهذا الفعل لم يأت اعتباطا، او من اجل ‏منح هذه التسوية هيبة اكبر، وانما جاء ذلك بناءً على طلب من بعض القوى ‏المشمولة بهذه المبادرة، حيث اعتبرته شرطا للدخول في العملية السياسية.

‏ليس هذا فحسب، وانما اصدرت اوامرها لبعض الدول الخليجية والاقليمية ‏لدفع هذه القوى للدخول في هذه التسوية جراء تأثيرها عليهم، سواء من ‏خلال الارتباط المذهبي، او من خلال الدعم المالي الذي تقدمه لهم.

بل ان ‏هذه الدول قد تحمَّست للقيام بهذا الدور الخبيث لإنجاح هذه التسوية، كونها ‏ستحقق، من وجهة نظرها، توازناً طائفياً بين السنة والشيعة من شأنه ان ‏يحدَّ من نفوذ ايران في العراق، ويمنع من امتداده الى دولهم، التي تعاني ‏اصلا من تنامي الحركات الشيعية الموالية لايران. بمعنى آخر أكثر صراحة ‏ووضوحا، فان هذه الدول تريد ان تقاتل بـ "سنة" العراق كخط دفاعي اول ‏ضد التمدد الايراني لحماية عروشهم من الزوال.‏

ان مثل هذا الاهتمام من قبل أميركا ليس مستغربا اطلاقا. فعدم تحركها بهذا ‏الاتجاه، او السكوت على الحالة المزرية لهذه العملية، والسقوط السياسي ‏والاخلاقي لجلاوزتها، سيشكل خطرا عليها وعلى تواجدها في العراق. ‏فأميركا تعلم علم اليقين بأن العراقيين لن يتحملوا هذا الظلم والطغيان فترة ‏اطول، وبالتالي فإن الخشية من احتمال العودة الى الانتفاضة مرة اخرى، ‏وبشكل اكثر قوة وفاعلية لم تزل تقضُّ المضاجع. واذا تمكن جلاوزة المنطقة ‏الخضراء من الهروب بشكلٍ مخزٍ ومهينٍ، بعد الدقائق الاولى لاقتحام ابناء ‏الانتفاضة وكرهم ومقارهم في الحكومة والبرلمان، فإنهم لن يتمكنوا هذه ‏المرة من الإفلات من قبضة الشعب الثائر.‏

نحن اذن امام محاولة أميركية خبيثة وليست مبادرة وطنية، او تسوية ‏تاريخية على حد تعبير اصحابها، فهي من جهة تعجّ بالوعود الوردية، من ‏قبيل تحقيق تسوية سياسية ومجتمعية وطنية تاريخية، عراقٍ متعايشٍ خالٍ ‏من العنف والتبعية، سلمٍ اهلي، توفير بيئة مناسبة لبناء الدولة تشارك فيها ‏كافة فئات المجتمع العراقي العرقية والدينية، مجتمع مدني، تأمين حياة ‏كريمة للمواطن العراقي، الى آخر هذه الادعاءات والاكاذيب. ومن جهة اخرى ‏تنطوي على عملية خداع كبير مقرونة بحملة اعلامية ضخمة لتسويقها بين ‏العراقيين، من اجل اقناعهم بهذه المبادرة وتعليق الامال على وعودها ‏الوردية. وهذه قد تدفع العراقيين وتشجعهم على الدخول في قاعة الانتظار ‏لحين تحقيق تلك الوعود. وهذا بدوره سيؤدي، كما يعتقد الأميركان، الى ‏تخلي العراقيون عن سلوك طريق الانتفاضات الشعبية، على الاقل لحين من ‏الدهر. ‏

اذا كان ما ذهبنا اليه صحيحا، فان التصدي لهذه المبادرة الخطيرة والعمل ‏على إفشالها، يعد واجباً وطنياً ومهمة عاجلة لا تحتمل التأجيل. وهذا الفعل ‏ينبغي ان لا يقتصر على فضح وتعرية هذه المحاولة، وكل من يشارك فيها ‏تحت أية ذريعة كانت، وانما يتعداه الى الشروع في ممارسة الفعل السياسي ‏والكفاحي للرد عليها من خلال مبادرة وطنية توحدنا وتعزز قوتنا وتمكننا من ‏مواصلة نضالنا وكفاحنا لدحر هذه المؤامرة، وتسهِّل الطريق لإنجاز مهامنا ‏الوطنية الاخرى، وفي المقدمة منها استعادة استقلال العراق وسيادته ‏الوطنية ووحدة اراضيه، وهذا لن يتم الا من خلال بناء الجبهة الوطنية ‏العريضة، التي تضم جميع الاحزاب والقوى الوطنية المعادية للاحتلال ‏وعمليته السياسية ودستورها الملغوم. واي عذر او تبرير للتملص من ‏تحقيق هذا الهدف النبيل، يعد تقصيراً كبيراً بحق العراق واهله وتنصلاً ‏واضحاً من الواجب الوطني والسياسي والاخلاقي. ‏

بمعنى اخر، ومن دون لف او دوران، فإن جميع هذه الاحزاب والقوى ‏الوطنية مدعوة لانجاز مهمة الجبهة الوطنية فورا. اذ لا يكفي ما تحقق من ‏صيغ تحالفية بين هذا الطرف او ذاك، او إشتراك عدد من هذه القوى ‏والاحزاب الوطنية في جبهات هنا وهناك، مثل قيام جبهة الجهاد والتحرير ‏أو جبهة الجهاد والتغيير أو جبهة الجهاد والاصلاح الخ... اضافة الى وجود ‏تنظميات اخرى لها حضور ودور فاعل مثل هيئة علماء المسلمين، وكذلك ‏وجود تنظميات سياسية لها نشاطات ملحوظة ضد المحتل وعملائه مثل ‏التحالف الوطني العراقي، خاصة وان هذه الجبهات والتنظيمات تعمل بشكل ‏مستقل، ولا يجمعها خطاب سياسي موحد، ولا نشاطات جماهيرية مشتركة. ‏ولا يغير من هذه الحقيقة اللقاءات والاجتماعات التي تعقد بين بعضها في ‏فترات مختلفة. ‏

نعم هناك صعوبات وعقبات تحول دون انجاز مهمة الجبهة الوطنية، وهناك ‏اختلاف المرجعيات والعقائد، وهناك الموروث السيء الذي حكم العلاقة بين ‏الاحزاب والقوى الوطنية على مدى عقود من الزمن، وهناك وهناك وهناك، ‏لكن اذا نظرنا الى هذا الواقع بعمق اكثر، سنكتشف بأن اسباب هذه ‏الخلافات قد زال، الى درجة كبيرة، بعد وقوع العراق تحت الاحتلال، حيث ‏توجه الجميع كل من موقعه لقتال قوات الاحتلال، على الرغم  من كل هذه ‏الاختلافات سواء الحزبية منها او الفكرية او العقائدية، بل ان مجموعات ‏الشباب والرجال التي تشكلت مناطقيا، والتي لا ترتبط برؤية سياسية محددة ‏ولا تمتلك خبرة نضالية كبيرة، قد شاركت في قتال  المحتلين جراء شعورهم ‏بواجب الدفاع عن الوطن وعن الهوية والانتماء.‏‎ ‎

ان ولادة الجبهة الوطنية الشاملة، ستحقق انجازات كبيرة، منها تطوير دور ‏الجماهير العراقية في تأمين مستلزمات الفعل السياسي والمسلح اذا تطلب ‏الامر ذلك، وتشجعهم على الالتفاف حولها وتقديم كل الدعم والاسناد لها، بل ‏ستنتقل بهم الى المساهمة في نشاطات الجبهة، سواء السياسية منها او ‏العسكرية او الاعلامية.

يضاف الى ذلك، فإن وجود الجبهة الوطنية الشاملة ‏ستمهد الطريق امام الناس، وتشجعهم على القيام  بالتظاهر وتنظيم ‏الاضرابات والاعتصامات والعصيانات المدنية.

كذلك فإن قيام الجبهة ‏سيساعد كثيرا على مد الجسور مع فئات الشعب المختلفة، سواء في المدن ‏المركزية والمحافظات والبلدات، او في القرى والارياف، او في المعامل ‏والمصانع، وفي المدارس والجامعات، في المساجد والكنائس، عندها يمكن ‏الحديث عن الانتفاضة الشعبية في طول البلاد وعرضا. وعندها يمكن ‏استخدام جميع الوسائل النضالية بما فيها الفعل المسلح.‏‎ ‎

ولكن ليس هذا كل شيء، فوجود جبهة وطنية شاملة، يعزز العمل المشترك ‏وفق البرنامج السياسي المتفق عليه، بحيث يكون بمثابة تدريب عالي ‏المستوى، لترسيخ مبادئ الديمقراطية بين احزاب الجبهة، ويقوي أواصر ‏التعاون والتنسيق، ويشيع روح التضحية من اجل العراق قبل التضحية من ‏أجل المبادئ الخاصة. ويكتسب هذا التمرين اهميته في التعود على ادارة ‏الحكم في البلاد على اساس هذه المبادئ.‏

انها لحظة تاريخية ينبغي التمسك بها والتوقف عند معانيها الكبيرة والارتقاء ‏بمسؤوليتنا الوطنية، والعمل بجد واخلاص ونكران ذات لتذليل جميع العقبات ‏حتى لا تفلت من ايدينا. فمثلما تمكن 22 فصيلاً من الانضواء تحت لواء ‏جبهة الجهاد والتحرير و10 فصائل اشتركت في جبهة الجهاد والاصلاح ‏وعدد مقارب توحد في جبهة الجهاد والتغيير، واتفاق اكثر من 10 قوى ‏على توكيل هيئة علماء المسلمين في عهد الراحل الشيخ الجليل حارث ‏ضاري، للتحدث باسمها مع القوى الوطنية العراقية، او في المحافل العربية ‏والدولية، فإن بإمكان قادة او ممثلي هذه الجبهات من توحيد نفسها في جبهة ‏واحدة، الامر الذي سيشجع بقية الفصائل والقوى الاخرى على الانضمام الى ‏الجبهة الموحدة الذي طال انتظارها. خاصة وان شعار تحرير العراق واعادة ‏استقلاله كاملا غير منقوص، يشكل القاسم المشترك الاعظم فيما بينها.‏

ان التاريخ ليس كريماً على الدوام ليمنح الشعوب مثل هذه الفرص. ترى هل ‏سنستثمر هذه الفرصة، ونشرع  في بناء الجبهة الوطنية، لانقاذ عراقنا ‏الحبيب وشعبنا المظلوم من محنته القاسية؟

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,900,437

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"