من المؤسف حقا ان تنظر بعض القوى والاحزاب والشخصيات الوطنية، بعين الرضى والقبول الى المبادرة التي تبناها المدعو عمار الحكيم، أوتعليق الامال عليها من قبل البعض الاخر.
في حين تشير جميع الدلائل الى ان هذه المبادرة ليست سوى محاولة أميركية حثيثة، الهدف منها انقاذ ما يسمى بالعملية السياسية من السقوط. اذ ليس بمقدور عمار الحكيم ولا تحالفه الطائفي المقيت ولا غيره، القيام بمثل هذه الخطوة بمعزل عن السيد الأميركي، كونه الراعي الاول والاخير لهذه العملية السياسية الهزيلة.
والا بماذا نفسر تزامن هذه المبادرة، وما سبقها من مبادرات، مع كل مرة تتعرض فيها هذه العملية الى السقوط؟ ثم ماذا حصد الناس من المبادرات السابقة سوى الخيبة تلو الاخرى؟!
ولكي لا نطيل اكثر، ومن دون الدخول في تفاصيل المبادرة حتى لا تمسنا شياطينها، فان أميركا، وباختصار شديد، قد فقدت الثقة بهذه العملية وبجلاوزتها، كأداة فعالة يمكن الاعتماد عليها لتكريس مشروعها الغادر في العراق. وبالتالي لابد من اعادة صياغتها من جديد، لبعث الروح فيها وكسب ثقة الناس بها لتتمكن من تنفيذ الدور الموكول لها، وفي المقدمة منه منع قيام أية انتفاضة شعبية تهدد بسقوطها في المستقبل. بالضبط كما فعلت أميركا في مرات سابقة، حين هددت المقاومة العراقية هذه العملية بالسقوط، وجراء الضعف الذي أصابها بسبب الصراعات والخلافات التي دارت بين اطرافها على تقاسم السرقات والمناصب وغيرها. وقد نجد نموذجا عنها بما قامت به كوندليزا رايس، وزيرة خارجية جورج بوش الابن، في منتصف عام 2005. فأمرت جلاوزتها، سواء في الحكومة او البرلمان، باجراء تسوية فيما بين اطرافها والدعوة الى المصالحة مع خصومها لحرمان المقاومة العراقية من الحاضنة الشعبية لها ومن ثم عزلها وازالة خطورتها.
دعونا نسترسل اكثر، فهذه المبادرة لن تقتصر على المصالحة او التسوية بين اطراف العملية السياسية، وانما تعدَّتها ايضا لتشمل قوى واحزاب من خارجها، بما فيها بعض القوى والاحزاب التي كانت تعمل في صفوف المقاومة العراقية، او ممن حمل السلاح ضد الاحتلال الأميركي، واذا حدث ذلك، او تورط بعضٌ منها في هذه التسوية، فهذا سيعدُّ طعنة في الظهر، على إعتبار ان المصالحة مع العملاء تشكل اعترافاً بالاحتلال كأمر واقع، وتبعث الروح في العملية السياسية، وتكسر الحاجز الوطني والنفسي لدى البعض ليجيز التعامل معها والتطبيع مع عملائها.
ولتشجيع هؤلاء، حرصت أميركا على إشراك الامم المتحدة، وربما مجلس الامن، كطرف ضامنٍ لهذه التسوية. وهذا الفعل لم يأت اعتباطا، او من اجل منح هذه التسوية هيبة اكبر، وانما جاء ذلك بناءً على طلب من بعض القوى المشمولة بهذه المبادرة، حيث اعتبرته شرطا للدخول في العملية السياسية.
ليس هذا فحسب، وانما اصدرت اوامرها لبعض الدول الخليجية والاقليمية لدفع هذه القوى للدخول في هذه التسوية جراء تأثيرها عليهم، سواء من خلال الارتباط المذهبي، او من خلال الدعم المالي الذي تقدمه لهم.
بل ان هذه الدول قد تحمَّست للقيام بهذا الدور الخبيث لإنجاح هذه التسوية، كونها ستحقق، من وجهة نظرها، توازناً طائفياً بين السنة والشيعة من شأنه ان يحدَّ من نفوذ ايران في العراق، ويمنع من امتداده الى دولهم، التي تعاني اصلا من تنامي الحركات الشيعية الموالية لايران. بمعنى آخر أكثر صراحة ووضوحا، فان هذه الدول تريد ان تقاتل بـ "سنة" العراق كخط دفاعي اول ضد التمدد الايراني لحماية عروشهم من الزوال.
ان مثل هذا الاهتمام من قبل أميركا ليس مستغربا اطلاقا. فعدم تحركها بهذا الاتجاه، او السكوت على الحالة المزرية لهذه العملية، والسقوط السياسي والاخلاقي لجلاوزتها، سيشكل خطرا عليها وعلى تواجدها في العراق. فأميركا تعلم علم اليقين بأن العراقيين لن يتحملوا هذا الظلم والطغيان فترة اطول، وبالتالي فإن الخشية من احتمال العودة الى الانتفاضة مرة اخرى، وبشكل اكثر قوة وفاعلية لم تزل تقضُّ المضاجع. واذا تمكن جلاوزة المنطقة الخضراء من الهروب بشكلٍ مخزٍ ومهينٍ، بعد الدقائق الاولى لاقتحام ابناء الانتفاضة وكرهم ومقارهم في الحكومة والبرلمان، فإنهم لن يتمكنوا هذه المرة من الإفلات من قبضة الشعب الثائر.
نحن اذن امام محاولة أميركية خبيثة وليست مبادرة وطنية، او تسوية تاريخية على حد تعبير اصحابها، فهي من جهة تعجّ بالوعود الوردية، من قبيل تحقيق تسوية سياسية ومجتمعية وطنية تاريخية، عراقٍ متعايشٍ خالٍ من العنف والتبعية، سلمٍ اهلي، توفير بيئة مناسبة لبناء الدولة تشارك فيها كافة فئات المجتمع العراقي العرقية والدينية، مجتمع مدني، تأمين حياة كريمة للمواطن العراقي، الى آخر هذه الادعاءات والاكاذيب. ومن جهة اخرى تنطوي على عملية خداع كبير مقرونة بحملة اعلامية ضخمة لتسويقها بين العراقيين، من اجل اقناعهم بهذه المبادرة وتعليق الامال على وعودها الوردية. وهذه قد تدفع العراقيين وتشجعهم على الدخول في قاعة الانتظار لحين تحقيق تلك الوعود. وهذا بدوره سيؤدي، كما يعتقد الأميركان، الى تخلي العراقيون عن سلوك طريق الانتفاضات الشعبية، على الاقل لحين من الدهر.
اذا كان ما ذهبنا اليه صحيحا، فان التصدي لهذه المبادرة الخطيرة والعمل على إفشالها، يعد واجباً وطنياً ومهمة عاجلة لا تحتمل التأجيل. وهذا الفعل ينبغي ان لا يقتصر على فضح وتعرية هذه المحاولة، وكل من يشارك فيها تحت أية ذريعة كانت، وانما يتعداه الى الشروع في ممارسة الفعل السياسي والكفاحي للرد عليها من خلال مبادرة وطنية توحدنا وتعزز قوتنا وتمكننا من مواصلة نضالنا وكفاحنا لدحر هذه المؤامرة، وتسهِّل الطريق لإنجاز مهامنا الوطنية الاخرى، وفي المقدمة منها استعادة استقلال العراق وسيادته الوطنية ووحدة اراضيه، وهذا لن يتم الا من خلال بناء الجبهة الوطنية العريضة، التي تضم جميع الاحزاب والقوى الوطنية المعادية للاحتلال وعمليته السياسية ودستورها الملغوم. واي عذر او تبرير للتملص من تحقيق هذا الهدف النبيل، يعد تقصيراً كبيراً بحق العراق واهله وتنصلاً واضحاً من الواجب الوطني والسياسي والاخلاقي.
بمعنى اخر، ومن دون لف او دوران، فإن جميع هذه الاحزاب والقوى الوطنية مدعوة لانجاز مهمة الجبهة الوطنية فورا. اذ لا يكفي ما تحقق من صيغ تحالفية بين هذا الطرف او ذاك، او إشتراك عدد من هذه القوى والاحزاب الوطنية في جبهات هنا وهناك، مثل قيام جبهة الجهاد والتحرير أو جبهة الجهاد والتغيير أو جبهة الجهاد والاصلاح الخ... اضافة الى وجود تنظميات اخرى لها حضور ودور فاعل مثل هيئة علماء المسلمين، وكذلك وجود تنظميات سياسية لها نشاطات ملحوظة ضد المحتل وعملائه مثل التحالف الوطني العراقي، خاصة وان هذه الجبهات والتنظيمات تعمل بشكل مستقل، ولا يجمعها خطاب سياسي موحد، ولا نشاطات جماهيرية مشتركة. ولا يغير من هذه الحقيقة اللقاءات والاجتماعات التي تعقد بين بعضها في فترات مختلفة.
نعم هناك صعوبات وعقبات تحول دون انجاز مهمة الجبهة الوطنية، وهناك اختلاف المرجعيات والعقائد، وهناك الموروث السيء الذي حكم العلاقة بين الاحزاب والقوى الوطنية على مدى عقود من الزمن، وهناك وهناك وهناك، لكن اذا نظرنا الى هذا الواقع بعمق اكثر، سنكتشف بأن اسباب هذه الخلافات قد زال، الى درجة كبيرة، بعد وقوع العراق تحت الاحتلال، حيث توجه الجميع كل من موقعه لقتال قوات الاحتلال، على الرغم من كل هذه الاختلافات سواء الحزبية منها او الفكرية او العقائدية، بل ان مجموعات الشباب والرجال التي تشكلت مناطقيا، والتي لا ترتبط برؤية سياسية محددة ولا تمتلك خبرة نضالية كبيرة، قد شاركت في قتال المحتلين جراء شعورهم بواجب الدفاع عن الوطن وعن الهوية والانتماء.
ان ولادة الجبهة الوطنية الشاملة، ستحقق انجازات كبيرة، منها تطوير دور الجماهير العراقية في تأمين مستلزمات الفعل السياسي والمسلح اذا تطلب الامر ذلك، وتشجعهم على الالتفاف حولها وتقديم كل الدعم والاسناد لها، بل ستنتقل بهم الى المساهمة في نشاطات الجبهة، سواء السياسية منها او العسكرية او الاعلامية.
يضاف الى ذلك، فإن وجود الجبهة الوطنية الشاملة ستمهد الطريق امام الناس، وتشجعهم على القيام بالتظاهر وتنظيم الاضرابات والاعتصامات والعصيانات المدنية.
كذلك فإن قيام الجبهة سيساعد كثيرا على مد الجسور مع فئات الشعب المختلفة، سواء في المدن المركزية والمحافظات والبلدات، او في القرى والارياف، او في المعامل والمصانع، وفي المدارس والجامعات، في المساجد والكنائس، عندها يمكن الحديث عن الانتفاضة الشعبية في طول البلاد وعرضا. وعندها يمكن استخدام جميع الوسائل النضالية بما فيها الفعل المسلح.
ولكن ليس هذا كل شيء، فوجود جبهة وطنية شاملة، يعزز العمل المشترك وفق البرنامج السياسي المتفق عليه، بحيث يكون بمثابة تدريب عالي المستوى، لترسيخ مبادئ الديمقراطية بين احزاب الجبهة، ويقوي أواصر التعاون والتنسيق، ويشيع روح التضحية من اجل العراق قبل التضحية من أجل المبادئ الخاصة. ويكتسب هذا التمرين اهميته في التعود على ادارة الحكم في البلاد على اساس هذه المبادئ.
انها لحظة تاريخية ينبغي التمسك بها والتوقف عند معانيها الكبيرة والارتقاء بمسؤوليتنا الوطنية، والعمل بجد واخلاص ونكران ذات لتذليل جميع العقبات حتى لا تفلت من ايدينا. فمثلما تمكن 22 فصيلاً من الانضواء تحت لواء جبهة الجهاد والتحرير و10 فصائل اشتركت في جبهة الجهاد والاصلاح وعدد مقارب توحد في جبهة الجهاد والتغيير، واتفاق اكثر من 10 قوى على توكيل هيئة علماء المسلمين في عهد الراحل الشيخ الجليل حارث ضاري، للتحدث باسمها مع القوى الوطنية العراقية، او في المحافل العربية والدولية، فإن بإمكان قادة او ممثلي هذه الجبهات من توحيد نفسها في جبهة واحدة، الامر الذي سيشجع بقية الفصائل والقوى الاخرى على الانضمام الى الجبهة الموحدة الذي طال انتظارها. خاصة وان شعار تحرير العراق واعادة استقلاله كاملا غير منقوص، يشكل القاسم المشترك الاعظم فيما بينها.
ان التاريخ ليس كريماً على الدوام ليمنح الشعوب مثل هذه الفرص. ترى هل سنستثمر هذه الفرصة، ونشرع في بناء الجبهة الوطنية، لانقاذ عراقنا الحبيب وشعبنا المظلوم من محنته القاسية؟