التوغل الإيراني في القارة السمراء: السودان أنموذجا

محمد بن صقر السلمي

تتوغل إيران في الداخل العربي منذ انتصار الثورة في إيران عام 1979، وكانت استراتيجياتها تعتمد على العمل بتخفٍ وحذر كبيرين خلال العقدين الأولين من عمر النظام الجديد، إلا أن هذا التوغل بدأ يبرز شيئا فشيئا إلى السطح مع بدايات القرن الحادي والعشرين، خاصة في عهد الحكومة الإصلاحية في إيران برئاسة محمد خاتمي.

على مستوى القارة الأفريقية يكمن اهتمام إيران بها في موقعها الاستراتيجي وإطلالتها على المعابر المائية، ومن ثم التركيز على القارة كعمق استراتيجي لإيران.
قام الساسة الإيرانيون بزيارات لدول أفريقية وركزوا خلالها على استعداد طهران لدعم تلك الدول ومساعدتها في الوصول إلى الاستقلال الكامل من خلال تشكيل جبهة موحدة في وجه الأطماع الغربية، واستغلال تلك الدول لثروات أفريقيا وإمكاناتها السياسية والاقتصادية والبشرية.

 


وشملت الزيارات الإيرانية للقارة عدة دول، من بينها دول شرق أفريقيا، جزر القمر، وجيبوتي، وكينيا.
كما تنشط إيران في دول مثل نيجيريا، وتونس، والسودان.
من هنا، أصبحت بعض دول أفريقيا المطلة على البحر الأحمر، ودول القرن الأفريقي ودول شرق أفريقيا، ساحة رحبة للنشاط الاقتصادي والعسكري والسياسي الإيراني بهدف تحقيق مشاريع إيرانية كبرى للهيمنة، وبسط نفوذها، ليس على مستوى الشرق الأوسط فحسب، بل من خلال خلق ولاءات في القارة الأفريقية أيضا.
النموذج السودانيكان السودان – ولا يزال - ميدانا رحبا للوجود الإيراني في المنطقة العربية.
فبسبب الموقع الجيو- سياسي تولي إيران السودان أهمية بالغة، فهذه الدولة تعد بوابة رئيسة للدول العربية في شمال أفريقيا، وكذلك تعد منفذا إلى بقية دول القارة السمراء التي أصبحت تشهد، بدورها، نشاطا إيرانيا كبيرا منذ عدة سنوات.
بدأ “التحرش” الإيراني بالسودان في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، فقد أدت الأحداث السياسية على الساحة السودانية آنذاك إلى تسرب إيراني اختار الوقت المناسب لوضع القدم الأولى له على الأراضي السودانية.
فعلى سبيل المثال، سعى السياسي السوداني حسن الترابي إلى إقامة نموذج سنّي للثورة الشيعية داخل السودان بداية ثم تطبيقها في مناطق أخرى في الشرق الأوسط والقارة الأفريقية، الأمر الذي وصفه البعض بمحاكاة لدور الخميني في المنطقة، ومن هنا يبدو أن طهران قد استغلت هذا التوجه وأنشأت المركز الثقافي الإيراني في الخرطوم ليأخذ على عاتقه القيام بهذه المهمة.
بعد وصول الرئيس عمر البشير إلى السلطة في عام 1989 تزايد النشاط الإيراني في السودان وتم افتتاح مزيد من الفروع للمركز الثقافي الإيراني في ولايات سودانية مختلفة.
بداية النهايةأخيرا، قررت الحكومة السودانية إغلاق جميع المراكز الثقافية الإيرانية على الأراضي السودانية، وتم استدعاء القنصل العام في السفارة الإيرانية بالخرطوم وتم إبلاغه بالقرار، وكذلك ضرورة مغادرة العاملين في هذه المراكز الأراضي السودانية خلال 72 ساعة.
وبعد أيام قليلة من قرار إغلاق المراكز الثقافية الإيرانية في البلاد، اتخذ السودان خطوة أخرى ضد النشاط الإيراني في السودان، ولكن هذه الخطوة كانت تجاه مؤسسة سودانية في قلب العاصمة الإيرانية طهران.
لقد قامت الخرطوم بإغلاق المدرسة السودانية في طهران، ويبدو أن الخرطوم ترغب في تجفيف جميع مصادر التأثير الثقافي والتعليمي والمذهبي وربما السياسي الإيراني، وإغلاق جميع منافذ وأدوات هذا التوغل في الداخل السوداني، الأمر الذي يقودنا إلى توقع اتخاذ السودان قريبا خطوات أخرى ضد النشاط الإيراني في البلاد.
نظرية المؤامرةبالنسبة لطهران كان القرار مفاجئا إلى حد كبير، فقد صرح كل من مساعد وزير الخارجية للشؤون العربية والأفريقية، حسين أمير عبد اللهيان، والناطقة باسم الخارجية الإيرانية مرضية أفخم بأن لا صحة لما تتداوله بعض وسائل الإعلام حول إغلاق المراكز الثقافية في السودان، وأنها - أي المراكز- لا تزال تقوم بمهامها على أكمل وجه.
وبعد أن أكد وزير الخارجية السوداني أحمد كرتي خبر إغلاق تلك المكاتب، استعانت وزارة الخارجية الإيرانية بنظرية المؤامرة، وأن هناك جهات تسعى لإفساد العلاقات بين البلدين.
وحذرت من خطر انتشار ما وصفتها بـ”التيارات التكفيرية التخريبية” في السودان، مشددة على أنها لن تسمح بحصول وقيعة بين “السنة والشيعة” في ذلك البلد.
ورفضت الناطقة باسم الخارجية الإيرانية ما قالت إنها “محاولات رامية للترويج للأفكار الطائفية والمثيرة للتفرقة”، مضيفة بأن الموقف السوداني يأتي “في إطار التحريض الذي تمارسه بعض الجماعات السياسية المشبوهة في السودان، وكذلك التيارات الإقليمية المتطرفة في ظل المشاكل الاقتصادية والسياسية لهذا البلد”، على حد تعبيرها.
تفسيرات إيرانية ترى بعض وسائل الإعلام الإيرانية أن حكومة الرئيس حسن روحاني التي تهتم كثيرا بموضوع تحسين علاقاتها مع الدول الغربية قد ركزت بشكل كبير على الوجود في مناطق استراتيجية مثل أمريكا اللاتينية وغفلت عن بعض حلفائها في أفريقيا وأوروبا، ومن بينها السودان والبوسنة والهرسك، مما قاد إلى تأثير سعودي واضح على هاتين الدولتين، خاصة السودان، الأمر الذي قاد حكومة الخرطوم إلى اتخاذ مثل هذه القرارات.
وذكرت هذه التقارير الإعلامية الإيرانية أن أولى الخطوات السعودية في هذا الجانب تتمثل في منع السلطات السعودية طائرة الرئيس عمر البشير من المرور عبر أجوائها عندما كان متجها إلى طهران للمشاركة في مراسم تنصيب الرئيس حسن روحاني، مما أجبر طائرة البشير على العودة إلى السودان.
كلفة القرار يبدو أن الحكومة السودانية أدركت أنها لم تظفر من فتح الباب على مصراعيه للحكومة الإيرانية والتعاون معها إلا بمقترحات لمشاريع عسكرية واقتصادية لم يتم تطبيق معظمها على أرض الواقع، كما لم تفز الخرطوم من إيران بشيء يذكر ما عدا ما كان يتوجب إنفاقه بهدف خدمة مصالحها ووجودها في السودان وتوسعها في القارة الأفريقية، بل على النقيض من ذلك، أصبح التوغل الإيراني في الداخل السوداني يشكل خطرا حقيقيا على النسيج الاجتماعي السوداني، مما قد يقود في المستقبل إلى بروز موجة من الاستقطابات السياسية، وكذلك أحزاب شيعية معارضة مرتبطة بإيران تضاف إلى الانقسامات السياسية والدينية المؤدلجة في المشهد السياسي في السودان، مما قد يجر الويلات للحكومة السودانية التي سمحت بغرس ونمو هذه البذرة الغريبة على الساحة في السودان.
من جانب آخر، نعلم أن إيران تمكنت خلال العقدين الماضيين من بناء علاقة جيدة مع عدة دول أفريقية، وكردة فعل على القرار السوداني فقد تحاول طهران خلق تحالفات جديدة ضد الخرطوم في الدول الأفريقية المدعومة من طهران.
عموما، لا يزال من المبكر جدا معرفة الآلية والتوقيت الذي سترد من خلاله طهران على القرار السوداني القاضي بإغلاق المراكز الثقافية الإيرانية في البلاد، خاصة إذا أدركنا أن الحكومة الإيرانية الحالية تحاول الظهور بصورة مختلفة عن سابقتها، وتميل كثيرا إلى إبراز الجانب الدبلوماسي والحلول السياسية دون انفعالات ظاهرة قد تفسد الصورة التي تود حكومة روحاني أن تظهر بها أمام العالم.
وهذه المنهجية تعد سياسة تختلف إلى حد كبير عن سياسة حكومة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، إلا أن سياسة قوى مثل الحرس الثوري والتيار الأصولي تختلف نسبيا عن الجانب الرسمي ولها مبرراتها وأولوياتها في التعاطي السياسي مع القضايا ذات البعد الإقليمي والدولي، وبالتالي فإن ردة الفعل الإيرانية ستختلف في الظاهر على أقل تقدير، وفقا لتوجهات المؤسستين المذكورتين أعلاه.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,353,723

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"