ما من مرة حمل فيها الكرد السلاح، في أيٍ من الدول الأربع التي يقطنونها ، إلا وباء مشروعهم المسلح بالفشل بل بالفناء، حتى وإن طال أمد ما قد يبدو من نجاح له ، كما في الحالتين العراقية والتركية.
هذا في الجوّاني، أما في البرّاني فلم تأل قياداتهم جهداً في الرهان على الحليف الخطأ وفِي الوقت الخطأ وابتغاء الهدف الخطأ ، بل لعلهم أساتذة في مهارة الانتحار الجيوسياسي عزّ لهم نظير.
نظرة طائر على العقود السبعة الفائتة تتحدث عن نفسها:
ظنّ القاضي محمد أن ستالين رافعته الى الانفصال عن إيران ، فما كان من الأخير إلا أن ألقى به جانباً ، مفسحاً المجال لبهلوي ليرسله الى المقصلة عام ١٩٤٦ ، متعللاً بشطط “مهاباد” تعدياً على قرينتها الانفصالية في أذربيجان الإيرانية.
دشّن المُلا مصطفى بارزاني السلاح سبيلاً الى نيل المطالب منذ أيلول ١٩٦١ ، راكباً مركب الشاهنشاه الإيراني ، ومصحوباً بدعم الموساد ورعاية لانغلي ، في سعيه للانفصال عن العراق (ولو تلطياً بيافطات اللامركزية ثم الحكم الذاتي ثم الفدرالية ، وفق المرحلة) فما كان من هؤلاء معاً إلا أن ألقوا به في سلّة المهملات ربيع ١٩٧٥.
امتطى عبدالله أوجلان دراجة حافظ الأسد وجورج حبش عام ١٩٨٤ ، تحت شعار الفدرالية لتركيا ، فلما اضطر الأسد للفظه – درئاً لهجوم تركي مبتغاه دمشق – لم يتردد لهنيهة .. وانتهى أوجلان حبيساً في مرمرة منذ عام ١٩٩٩.
وفِي الآونة الأخيرة أخذت كاكا مسعود بارزاني العزة بالإثم فركب رأسه ضارباً عرض الحائط بكل تحذيرات المحيط – أن ارعوي وألغِ استفتاء الانفصال – ، وبظنّ ان (اسرائيل) كفيلة بتأمين دعم الولايات المتحدة له ، مغفلاً ان الأخيرة ليست في وارد استعداء عرب العراق وتركيا وإيران وسوريا ، كلهم في ذات الوقت ، كِرمى لمرتبطٍ بها شاء أن يكبّر مقاس رأسه في ما ظنّها لحظة تاريخية سانحة ، فكان مآله أن أصبح أضحوكة الكرد قبل سواهم.
وقبله وبعده ، امتشق الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي حسام الفتح في الشرق والشمال السوريين ، مؤيداً بالبنتاغون بعد أن اهتدى الأخير إليه (منذ خريف ٢٠١٤) ، وقد عزّت البدائل ، أداةً برية تقاتل داعش ، فمضى يضمّ اليه جغرافيتهما ويرحّل عربها ويسطو على مواردها وكأن دوام الحال قد تأبد. لعله الآن يدرك أن رهانه على المدد الأميركي قابل للتآكل بضغط عوامل عدة ، منها أن حلفاءه من عشائر عربية هم محض مشاركي مخدع لا شركاء مصير ، وأن تشبث الولايات المتحدة بدعمه محكوم سلباً بعاملين: تصميم الحلف السوري-الإيراني ، مؤيداً بالروسي بل والتركي ، على حرمانها من أسباب البقاء في الشرق السوري ، سواءٌ قواعدَ أم حتى نفوذ … وعسرة توفير سبل الدعم له سواء عبر تركيا أم عبر العراق ، وعليه ف”روجافا” محكومة بالتبخر عبر وقت لن يطول.
هذا في سجل الإخفاقات ، أما على صعيد الشقاقات فحدّث ولا حرج:
خرج ابراهيم أحمد وصهره مام جلال على الملّا مصطفى بالسلاح عام ١٩٦٤ بتضافر مع نظام الشقيقين عارف ، فلما قضى منهما وطره عاد للتفاوض مع المُلا وجلسا في الظل لعقد ونيّف.
ثم نهض مام جلال ، بعد ان انشقت الأرض لتبتلع بيشمركة المُلا حين باعه بهلوي وكيسنجر لصدّام العراق ربيع ١٩٧٥ لقاء تناصف شط العرب بين الجارين ، ليعمل في كنف دمشق والفاكهاني قبل ان تعود طهران – هذه المرّة الإسلامية – لتوازن بين اللدودين: بارزاني وطالباني وهما يعملان في خدمة صراعها مع بغداد- البعث ، سيما بعد اشتعال الحرب المسلحة بين الجارين ، ولأعوام ثمانية عجاف.
خلال تلك الحرب ، قام مام جلال بتجربة مصالحة مع صدام حسين، أواخر ١٩٨٣، ألقى خلالها بارزاني في جبّ عزلة الانحسار لينفرد وحده بغنيمة التسوية … لكنها لم تؤت ثمراً ، لعوامل غير كردية.
وعبر الحدود ، كان عبدالرحمن قاسملو الإيراني حليفَ بغداد ضد كردية العراق السياسية بنفس مقدار عداوته لطهران- الثورة … وبادلته الأولى– سيما شقّها الطالباني – خيانته لها بالمثل. ذات المسار كان ما سرى على بيجاك الكردية بعد قاسملو.
هذا في الشرق، وأما في الشمال فلم يأل كاكا مسعود جهداً في خدمة الدولة التركية – من إيفرين الى أردوغان – في حربها على التمرد المسلح لحزب العمال الكردستاني، وامتداداً في سعيه لتقويض فرعه السوري.
ولمّا سيطر الثنائي الكردي على اقليم الحكم الذاتي في الشمال العراقي ربيع ١٩٩١ ، تحت جناح الطيران الأميركي، أسسا دويلة لم تلبث أن انفلقت الى فلقتين ، واحدة في الشرق والثانية في الغرب ، سارعت كل منهما الى رفع السلاح ضد الأُخرى في حرب طالت مابين ١٩٩٤ و١٩٩٧، وأزهقت خمسة آلاف نفس ، التحف فيها الشرق الطالباني بالدعم الإيراني فيما لجأ الغرب البارزاني الى الألد عداوة: صدّام، راجياً منه العون، وكانت خاتمتها أميركية الإخراج والإنتاج على يد مادلين أولبرايت في ١٩٩٨.
واليوم ، باعت عائلة طالباني– إيرانية الهوى – كاكا مسعود وهو في أوج زهوه الزائف باستفتائه مُخليةً ما أسموها، هزلاً في موضع الجدّ، "قدس أقداسهم، كركوك" ، ومجبرين الكاكا على الانسحاب المذل من كل ما احتلته البيشمركة سواها ، في إثر الاحتلال.
بهكذا مسار وهكذا خلفية ليس هناك ولن يكون ما يلملم أطراف الكرد في بوتقة ناظمة ، لا في الجواني ولا في البراني ، هذا أولاً …
وثانياً ، فقد غاب عن كردياتهم السياسية أن حق تقرير المصير مستحقٌ لشعوب ترزح تحت نير استعمار محتل ، وغير مستحقٍ لجماعات فرعية في دول قائمة ، وهنا ، مثالاً ، الفرق بين القضية الفلسطينية ودعاوى "الحلم الكردي".
تواضع الكرديات السياسية هو خير ما تفعله ، عوضاً عن متوالية “بيافرات” بدأت ولن تنتهي.