مؤشر الدول الفاشلة لعام 2014- مصر في منطقة الخطر

ملاحظة تمهيدية من الناشر:

ليست مصر وحدها في منطقة الخطر، بل نجد العراق في منطقة اخطر منها، وكذلك فإن معظم الأقطار العربية تقع ضمن المنطقة البرتقالية الخطرة، كما نرى في الصورة المنشورة مع المقال.

المحرر

نشرت حديثا مؤسسة «صندوق السلام» الأميركية، ومقرها واشنطن العاصمة، مؤشرها السنوي للدول الفاشلة للعام الحالي 2014 ويشمل 178 دولة مرتبة بطريقة عكسية، بحيث تحتل الدولة الأكثر فشلا في العالم المرتبة الأولى وهي، جنوب السودان يليها الصومال فجمهورية أفريقيا الوسطى فالكونغو فالسودان، وصولا إلى الرقم 178 الذي تحتله فنلندا، تليها عكسيا السويد فالدنمارك فالنرويج.

ويستخدم المؤشر 12 بندا تشمل معطيات سياسية واقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية/ عسكرية. وتعطي علامة من 1 إلى 10 لكل فئة، ويمثل الرقم 10 الفشل التام. فبينما يصل مجموع علامات جنوب السودان إلى 112.9 والصومال 112.6 من 120 ينخفض مجموع علامات الدولة الأفضل في العالم فنلندا إلى 18.7 علامة فقط.

وقد جاء ترتيب دولة الإمارات العربية المتحدة الأفضل من دول المجموعة العربية على المؤشر لتحتل الرقم 143 تليها قطر في المرتبة 139، فعُمان في المرتبة 135 فالكويت 127، فالبحرين 120 فالسعودية 96 بتراجع بنسبة ست درجات عن السنة الماضية، فالمغرب 92 فالأردن 83، فتونس 78، فليبيا41 بتراجع 13 درجة عن العام الماضي.

أما مصر فقد انزلقت إلى المرتبة 31 بتراجع ثلاث درجات عن مؤشر السنة الماضية، لتدخل منطقة الخطر المرسوم باللون البرتقالي، أي أن وضع ليبيا على ما فيه من مؤشرات سلبية ما زال أفضل من وضع مصر. أما سوريا فقد انزلقت من المرتبة 21 عام 2013 لتصل إلى المرتبـــة 15 هذا العام، لكنها ما زالت أفضل من العراق الذي يحتل المرتبة 13 وكلاهما ضمن مجموعة عشر دول وضعت ضمن المرتبة الثانية من الدول المصنفة تحت «تنبيه عال» على سلم مؤشر الدول الفاشلة.

 

مؤشرات الدولة الفاشلة الإثنا عشر

 

مصطلح الدولة الفاشلة دخل حديثا حيز الاستعمال بعد نهاية الحرب الباردة، وتخلي الدول العظمى عن بعض حلفائها الذين فقدوا أي أهمية، ولم تعد صيانة وجودها مهما ما أدى إلى انهيار بنية الدولة ومؤسساتها وانتشار الفوضى وغياب القوة المركزية. وقد اعتبر بعض الخبراء أن الدولة الفاشلة هي تلك التي لا تمارس سيادة كاملة على الأرض والشعب ويظهر هذا الفشل في غياب فاعلية الدولة وقدراتها على بسط السيطرة على الأرض وفقدان التفرد في حق استخدام القوة.

ويستخدم صندوق السلام 12 مؤشرا لقياس الفشل يقسمها إلى مجموعة مؤشرات اجتماعية واقتصادية وسياسية وعسكرية.

وتشمل المؤشرات الاجتماعية الضغط السكاني (مثل نسبة الوفيات، الفقر الغذائي، التلوث، عدم توفر الغذاء، انتشار الأمراص، تهميش الشباب نقص المياه الحاد وغيرها) ووجود أعداد من اللاجئين والمشردين والمظالم الجماعية (التمييز، العنف، العنف الطائفي والديني والمجتمعي وغياب هيبة الدولة) وهجرة الأدمغة خارج البلاد والهجرة الخارجية وانهيار نوعية التعليم ونسبة التمدرس).

أما المؤشرات الاقتصادية فتتعلق بنسب الدخل والخدمات المقدمة في الأرياف مقارنة بالمدن والخدمات العامة وانتشار مدن الصفيح وانتشار الفقر والعجز في الميزانية وارتفاع ديون الدولة وانتشار البطالة وقلة توفير فرص للشباب وقوة العملة الشرائية ونسبة التضخم والناتج المحلي الإجمالي.

وهناك ستة مؤشرات سياسية وعسكرية وكل مؤشر ينضوي تحته كثير من التفاصيل. المؤشر الأول هو شرعية الدولة التي تضم: فاعلية الحكومة، الفساد، المشاركة السياسة والعملية الانتخابية، مستوى الاستقرار الديمقراطي، السوق السوداء والتهريب، وانتشار الاحتجاجات والصراع على السلطة.

والمؤشر الثاني يتعلق بحقوق الإنسان وسيادة القانون وحرية الصحافة والحريات المدنية والحريات السياسية ووجود سجناء رأي والمواقف السياسية والاتجار في البشر والتعذيب والاضطهاد الديني والإعدامات، ثم يأتي مؤشر الأجهزة الأمنية والقوى العسكرية التي تشير إلى صراعات داخلية وانتشار الاحتجاجات ومحاولات الانقلاب وانتشار التفجيرات والاغتيالات وانتشار الأسلحة. والمؤشر الخامس يتعلق بصراع النخب السياسية وانتشار ظاهرة الانشقاقات والمنافسة السياسية الحادة.

والمؤشر الأخير يتعلق بالتدخلات الخارجية المرتبطة بفشل الدولة في القيام بالتزاماتها الدولية والسيطرة على مواردها، مما يفتح المجال لعناصر خارجية للتدخل في شؤون البلاد، كأن تكون هناك معونات خارجية أو قوات حفظ سلام أو وجود بعثة أمم متحدة للمساعدة أو الرقابة أو التحقيق، أو يصل الأمر الى تدخلات عسكرية خارجية، أو أن توضع البلاد أو أجزاء منها تحت طائلة العقوبات.

 

مصر والانزلاق إلى منطقة الخطر

مراجعة لوضع مصر في السنوات الثلاث الأخيرة تشير بوضوح إلى أنها شهدت انتكاسة كبيرة عام 2014، بعد أن تحسن وضعها قليلا عام 2013. فقد احتلت مصر المركز 45 عام 2011، ثم تراجعت إلى المرتبة 31 عام 2012 فتحسنت قليلا عام 2013 لترتقي ثلاث درجات وتصل إلى المرتبة 34 وعادت عام 2014 لتخسر النقاط الثلاث التي كسبتها عام 2013 وتستقر في المرتبة 31، أي منطقة الخطر وتكون من بين مجموعة 17 دولة صنفت تحت عنوان «تنبيه». وفي القائمة نفسها تجد دولا مثل النيجر وميانمار وإرتيريا وسري لانكا ورواندا.

بإلقاء نظرة تفصيلية إلى مؤشرات الفشل في مصر، تجد أن مجموع العلامات التي أعطيت بلغ 91.0 من مجموع 120، وتشترك مصر مع نيبال وتيمور الشرقية في النسبة نفسها، وتسير المؤشرات كالتالي:

الأداء الأسوأ: أسوأ أداء في كافة المؤشرات كان الأداء المصري في مؤشر حقوق الإنسان وسيادة القانون، حيث وصلت النسبة إلى 9.7 من مجموع 10، يلي ذلك انقسام النخب السياسية الذي يسجل علامة 9.4، يلي ذلك شرعية الدولة التي تسجل علامة 9.

هذا يعني أن الدولة فشلت في احترام سيادة القانون وحرية الرأي والتعبير والحريات العامة وسيادة القانون، وانتشرت ظاهرة التعذيب وسجناء الرأي والاضطهاد الديني، وانعكس هذا على ظاهرة الانقسام بين النخب السياسة، وأصبح تزييف الانتخابات ظاهرة منتشرة. هناك غياب للمساواة أمام القانون وانتشار ظاهرة الفساد وانخفاض مستوى فاعلية الدولة وتراجع الديمقراطية مما أدى إلى انتشار الاحتجاجات والمظاهرات وأصبحت المشاركة السياسية في أدنى حدودها.

مؤشر المظالم الجماعية يأتي بعد تصنيف الثلاثة مؤشرات السابقة ليصل مجموع علاماته 8.6 وليظل في منطقة الخطر، فهذا المؤشر يقيس نسبة التمييز والعنف والصراع المجتمعي والعنف الديني والطائفي والعرقي وفشل الدولة في وقف العنف بكافة اشكاله.

بالنسبة للأداء السيئ، فقد حصلت ستة مؤشرات على علامات متوسطة تتعلق بالضغط السكاني (7.1) واللجوء والتشرد (6.4) التنمية غير المتوازنة (6.8) والفقر والتراجع الاقتصادي (7.9) والأجهزة الأمنية (7.9) والتدخل الخارجي (7.4).

أما الأداء المتوسط فيشمل مؤشرين اثنين هما، الهجرة الخارجية وفرار الأدمغة من البلاد (5.1) ومؤشر الخدمات العامة (5.7) التي تشمل وجود قوات شرطة ونظام تعليمي وخدمات مياه وصرف صحي وعيادات طبية وهواتف واستخدام للإنترنت وطرق مواصلات.

 

ماذا تحتاج مصر للنهوض

كما نلاحظ أن مصر على حافة الانزلاق إلى مرحلة تؤدي إلى الفشل. إن هذه المؤشرات عبارة عن رسائل تحذير جادة للنخب الحاكمة التي آثرت الحلول الأمنية على أي خيارات أخرى، لكن فرص التعافي ما زالت قائمة، إذا انتصر صوت العقل والحكمة والرؤية المتوازنة والأخذ بالخيارات السليمة للمستقبل، ولذلك نود أن نضيف بعض المقترحات إسهاما في النقاش وليس نوعا من الأستذة الفوقية أو الادعاء بالمعرفة، فأهل مكة أدرى بشعابها، ولكن حرصنا على دور مصر القيادي الذي لا بديل عنه ولا تستطيع دولة أو أكثر أن تسد الفراغ الذي يتركه غياب مصر نود أن نطرح الآراء التالية:

- المصالحة الوطنية الداخلية والابتعاد عن شيطنة الآخر وتوجيه التهم بالخيانة والعمالة لكل من يختلف مع القيادة الحالية. لقد رأينا أن الجماهير الغاضبة المقهورة المظلومة استطاعت أن تغير مجرى التاريخ وتطرد من تكلس في القصر ثلاثين عاما، كما استطاعت أن تحشد الملايين ضد حكومة الإخوان المنتخبة ديمقراطيا لاتهامها بالاستئثار بالسلطة والعمل على أخونة الدولة. فلا يستهينن أحد بقدرات الجماهير إذا ما غضبت وأحبطت وسدت أمامها كافة سبل التعبير.على النخب السياسية أن تعود إلى قاعدة، كل مصري وطني وكل متهم بريء حتى تثبت إدانته، وكل مظلوم قوي حتى يسترد حقه، وكل ظالم ضعيف حتى يؤخذ الحق منه.

- إن أفضل استثمار في مصر هو الاستثمار في الإنسان المصري- إن ثروة مصر الحقيقية في شعبها إذا أحسنت الحكومة الاستثمار في تدريب وتثقيف وتأهيل الملايين ليكونوا رصيدا لمصر ولأمتهم. إن الاستثمار الذي قام به الراحل جمال عبد الناصر عند إقراره مجانية التعليم فتح المجال لمصر أن تخرج ملايين الكوادر العلمية والمهنية ليساهموا في بناء الأمة العربية، ويدروا دخلا لمصر بالمليارات. ما تحتاجه مصر الآن الاستثمار في العلوم والتكنولوجيا والتصنيع المرتبط بالجامعات ودور البحث، بحيث يستوعب خريجي الجامعات ويدفع بالعديد من الطلبة الى اختيار المواد العلمية والتقنية والمهارات الفنية لحاجة السوق إلى خبراتهم وقدراتهم.

- إعادة الثقة إلى القضاء وحياديته ومهنيته. لقد أساءت الأحكام الجماعية المتسرعة التي تحمل روح التشفي والانتقام إلى تاريح القضاء المصري المعروف بعراقته. إن استقلالية القضاء أمر يعرف بالممارسة وليس بشعارات يرددها مهرجو وسائل الإعلام.

وأخيرا مصر بحاجة إلى إعادة النظر في الإعلام التهريجي الفج الذي ينزه القائد عن كل عيب ويرفعه إلى منازل الملائكة. هذا النوع من الإعلام لا يخدم مصر ولا قيادتها ولا مستقبلها. إن الالتزام بما يسمى «نظرية المسؤولية الاجتماعية» في الإعلام أمر في غاية الأهمية، خاصة ونحن في عصر الإعلام الشبكي ومواقع التواصل الاجتماعي، التي تراقب وتنقل الصوت والصورة فورا وبدون دكترة أو توضيب. فالمطلوب الآن توفير استراتيجية إعلامية/ اتصالية تتصرف بمسؤولية وموضوعية، تشرح وتعبئ وترفع نسبة الوعي وتغير المواقف والسلوك من أجل أن تساهم في تحقيق تخطّي تلك العقبات الجادة التي تواجهها مصر. ولا يستخفن أحد بهذه المؤشرات التي تحدثنا عنها. نريد أن نشاهد مصر في المؤشر القادم وقد استردت كثيرا من عافيتها وتخطت كثيرا من مشاكلها وخففت من حدة الاحتقان الداخلي لتصب جهودها على التنمية المستدامة الرشيدة الواعية التي تخدم مصر أولا وأمتها العربية ثانيا.

 

نشر المقال هنا وللإطلاع على تفاصيل مؤشر الدول الفاشلة للعام الجاري يرجى الضغط هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,358,982

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"